الغيبة وآثارها

الغيبة :

 

 

قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحيمٌ﴾.

تعتبر الغيبة من أشدّ الأمراض الاجتماعية الفتّاكة التي تقضي على المجتمع وتحولّه إلى أحزابٍ وفئاتٍ متناحرةٍ، يأكل بعضها بعضاً، حتَّى عبّرت عنها بعض الروايات بأنّها الآكلة في دين الرجل كالآكلة في جسد الإنسان. ولقد صوّر القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة جريمة الغيبة بصورة بشعة ومقزّزة للنفس، لم يصوّر غيرها من المحرّمات بهذه الصورة، وهي ليست تشبيهاً ولا صورة خيالية، بل هي الصورة الملكوتية للغيبة، والتي لو كشف الغطاء عن أعين الناس لرأوا ولعاينوا الحقيقة كما هي بقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْت﴾.

 

 

تعريف الغيبة وحكمها:

 

 

 

الغيبة – كما عرفها الشهيد الثاني – هي: “ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه، ممّا يعدّ نقصاناً في العُرف، بقصد الانتقاص والذم” .

رُوِي أنّ رسول الله صلى الله عليه واله سأله سئل ذات يوم: ما الغيبة؟ فقال صلى الله عليه واله: “ذكرك أخاك بما يكره، قلت: يا رسول الله، فإن كان فيه الذي يُذكر به؟ قال: اعلم أنّك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته” .

وبيّن الإمام الخميني حكم الغيبة، فقال: “المستفاد من أخبار الغيبة أنّ كشف ستر المؤمنين حرام، بمعنى أنّه يحرم إظهار عيوب المؤمنين المستورة، من دون فرقٍ بين أن تكون هذه العيوب خَلقية أو خُلقية أو سلوكية، سواء أكان الشخص المتصف بالعيب راضياً بكشف عيبه أم لا، وسواء أكان هناك قصد انتقاص أم لا…”  .

ويبيّن الإمام قدس سره السبب في حرمة كشف ستر المؤمنين بقوله: “إنّ الله سبحانه وتعالى غيور، ويكون هتك ستر المؤمنين وكشف عوراتهم، هتكاً لناموس إلهي وكرامته. ولو أنّ إنساناً تجاوز في الاستهتار بالحدود، وهتك حرمات الله، كشف الله الغيور عيوبه التي سترها عن الآخرين بلطفه وستّاريّته، وهتك أسراره وفضح أمره في هذه العالم أمام الناس، وفي عالم الآخرة أمام الملائكة والأنبياء والأولياء” .

 

 

أقسام الغيبة:

 

 

بما أنّ الغيبة هي ذكر أخيك بما يكره، أو الإعلام به، أو التنبيه عليه، فهذا يعني أن للغيبة مصاديق متعدّدة، وقد أشار الإمام الصادق عليه السلام إلى ذلك بالقول: “وجوه الغيبة تقع بذكر عيبٍ في الخُلق، والفعل، والمعاملة، والمذاهب، والجهل، وأشباهه”24. وسوف نشير إلى هذه الأوجه المختلفة:

  1. في البدن: كقولك فلانٌ قصير، أو طويل، أو قبيح المنظر، أو أعور، وغيرها، ممّا يتصوّر أن يوصف به ممّا يكرهه.
  1. في النسب: كقولك أبوه فاسق، أو نسبه خسيس، ونحو ذلك، مما يكرهه كيف كان.
  1. في الخُلق: كقولك فلان سيء الخلق، متكبّر، جبان، مرائي…
  1. في أفعاله المتعلّقة بالدين: كقولك فلان سارق، كذّاب، لا يهتم بالطهارة والصلاة، ظالم، ليس بارّاً بوالديه، يتعرّض لأعراض الناس…
  1. في أفعاله المتعلّقة بالدنيا: كقولك فلان كثير الكلام، كثير الأكل، لا يرى لأحد عليه حقّاً، متهاون بالناس، قليل الأدب…

فيجب على المؤمن أن يتجنّب كلّ تلك الأمور وغيرها؛ لشدة خطورة الغيبة وآثارها المدمّرة في الدنيا والآخرة.

 

 

الآثار الدنيوية والأخروية للغيبة:

للغيبة آثار تظهر في عالم الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة:

  1. عذاب النار: قال أنس: أمر رسول الله صلى الله عليه واله الناس بصوم يوم، وقال: “لا يفطرنّ أحد حتَّى آذن له، فصام الناس حتَّى إذا أمسوا، جعل الرجل يجيء، ويقول: يا رسول الله، ظللت صائماً، فأذن لي لأفطر، فأذِن له، حتَّى جاء رجل، فقال: يا رسول الله، فتاتان من أهلك ظلتا صائمتين، وإنّهما تستحيان أن تأتيانك، فأذن لهما أن تفطرا، فأعرض عنه، ثمّ عاوده، فأعرض عنه، ثم عاوده، فقال: إنّهما لم تصوما، وكيف صام من ظلّ هذا اليوم يأكل لحوم الناس؟! اذهب مُرهما، إن كانتا صائمتين أن تستقيئا، فرجع إليهما فأخبرهما، فاستقاءتا، فقاءت كلّ واحدة منهما علقة دم، فرجع إلى النبي صلى الله عليه واله فأخبره، فقال: والذي نفس محمد بيده، لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار”25، وهذا لا يعني أن الصوم باطل شرعاً، بل المقصود هو عدم كمال الصوم على مستوى الثواب الأخروي، وهنالك فرق بين صحة الصوم وقبوله عند الله تعالى.
  1. المغتاب يأكل من لحمه يوم القيامة: فعن نوف البكالي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: “اجتنب الغيبة؛ فإنها إدام كلاب النار، ثمّ قال: يا نوف، كذب من زعم أنّه وُلد من حلال، وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة”، ولا منافاة بين أن يأكل لحم الميتة، أو أن يأكل لحم جسده.
  1. الفضيحة يوم القيامة: عن رسول الله صلى الله عليه واله: “… ومن مشى في غيبة أخيه وكشف عورته، كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم، وكشف الله عورته على رؤوس الخلائق”.
  1. العذاب في البرزخ: عن رسول الله صلى الله عليه واله: “مررت ليلة أُسْرِي بي على قومٍ يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟! قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم”.
  1. الفضيحة في الدنيا: إنّ بعض مراتب الغيبة يدفع بصاحبها إلى الفضيحة في عالم الدنيا، عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: “يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يُخْلِص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم؛ فإنّ من تتبّع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه ولو في بيته”.
  1. الدخول في ولاية الشيطان: الغيبة تؤدّي إلى خروج المغتاب من ولاية الله تعالى، والدخول في ولاية الشيطان، فلا يكون من أهل النجاة والإيمان، عن الإمام الصادق عليه السلام: “ومن اغتابه بما فيه، فهو خارج من ولاية الله، داخل في ولاية الشيطان”.
  1. لا يُغفر الله للمغتاب حتَّى يرضى صاحب الغيبة: إنّ معصية الغيبة أشدّ من كافة المعاصي، وإنّ آثارها أخطر من آثار الذنوب الأخرى؛ لأن الغيبة مضافاً إلى أنّها تمسّ حقوق الله تعالى، فهي تمسّ حقوق الناس أيضاً، ولا يغفر الله تعالى للمغتاب حتَّى يرضى صاحب الغيبة، عن النبي صلى الله عليه واله: “يا أبا ذر، إياك والغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزِّنا” قلت: ولِم ذاك يا رسول الله؟! قال: “لأنّ الرجل يزني فيتوب إلى الله، فيتوب الله عليه، والغيبة لا تُغفر حتَّى يغفرها صاحبها”. ولو أن الإنسان – والعياذ بالله – مات وعليه حقوق الناس، كان أمره صعباً جداً؛ إذ إنّ علاقة الإنسان في حقوق الله تكون من الكريم الرّحيم، الذي لا يتطرَّق إلى ساحته القدسيّة شيء من البغض، والضغينة، والعداوة، والتشفّي، ولكنّه في حقوق العباد قد يرتبط بإنسان فيه تلك الصفات الفاسدة، ولا يتجاوز عنه بسرعة، أو لا يرضى عنه نهائياً

 

 

علاج الغيبة:

 

 

إنّ علاج هذا المرض الأخلاقي الخطير يحتاجُ إلى مجاهدةٍ كبيرةٍ، ومتابعةٍ دقيقةٍ، ولا بدَّ من رعاية الأمور الآتية للوقاية من الوقوع في هذا المرض أو علاجه:

– أن يفكّر في الآثار المفيدة التي تترتب على معالجة هذه الموبقة، ويقارنها مع الآثار السيّئة التي تترتَّبُ على الغيبة.

– أن يفكّر ويتأمَّل في الرِّوايات التي تحدّثت عن الآثار الغيبيَّة لهذه المعصية.

– أن يفكّر في الآثار الدنيويّة للغيبة، كسقوط الإنسان من أعين النّاس.

– من النَّاحية العمليَّة فلا بدّ من كفِّ النَّفس عن هذه المعصية لبعض الوقت مهما كان صعباً، ولجم اللسان، والمراقبة الكاملة للنَّفس، ومعاهدة النَّفس بعدم اقتراف هذه الخطيئة، ومراقبتها، والحفاظ عليها ومحاسبتها.

– معالجة العوامل والأسباب والجذور التي تؤدّي بالشَّخص أن يرتكب الغيبة، كالحسد، والحقد، والأنانيَّة، وحبّ الانتقام، والتكبّر، والغرور، وأمثال ذلك.

– أن يفكّر ويستحضر دائماً هذه الحقيقة، وهي أنّ الغيبة حقّ الناس؛ لأنها تتسبَّب في هدم سمعتهم، والذَّهاب بماء وجوههم.