سیرة الإمام محمد بن علی الجواد علیه السلام

کلمات مفتاحیة:

الولادة: وقع الخلاف فی ولادته والأشهر بین العلماء أنه ولد فی التاسع عشر أو الخامس عشر من شهر رمضان سنة (195هـ) فی المدینة المنورة وقیل أن ولادته صادفت العاشر من شهر رجب حسب ما ورد فی دعاء الناحیة المقدسة.

الشهادة: المشهور أنه استشهد فی اخر ذی القعدة سنة (220 هـ) وقیل الیوم السادس من ذی الحجة وذلک بواسطة زوجته أم الفضل بنت المأمون التی سمته بعد تحریض عمّها المعتصم.

مدة الإمامة: مدة خلافته لأبیه علیه السلام سبع عشرة سنة.

ألقابه: التقی، الجواد، المختار، المنتجب، المرتضى، القانع، العالم.

کنیته: أبو جعفر الثانی تمیزاً عن جده محمد بن علی الباقر علیه السلام .

نقش خاتمه: (نعم القادر اللّه)، وقیل (العزة للّه)

مدفنه: بغداد فی مقابر قریش فی ظهر جده الإمام موسى بن جعفر علیه السلام

تمهید

کان الشیعة ینتظرون بفارغ الصبر ولادة الإمام الجواد من أبیه الإمام الرضا علیه السلام ، وذلک لعلمهم بهذا الأمر، ولکن الإمام الرضا علیه السلام کان قد مر على عمره الشریف أکثر من أربعین سنة ولکنه لم یرزق ولداً بعد، وعندما کان یسأل عن ذلک یجیب:

“إن اللّه سوف یرزقنی ولداً یکون الوارث لی والإمام من بعدی”1.

وأخیراً ولد الإمام سنة (195هـ). وقال الإمام الرضا علیه السلام عند ولادته:

“قد ولد لی شبیه موسى بن عمران فالق البحار وشبیه عیسى بن مریم،

قدست أم ولدته، قد خلقت طاهرة مطهرة ثم قال علیه السلام : یقتل غصباً فیبکی له وعلیه أهل السماء ویغضب اللّه على عدوه وظالمه فلا یلبث إلا یسیراً حتى یعجل اللّه به إلى عذابه”2.

وولادة الإمام علیه السلام أزالت القلق من قلوب الشیعة حیث کان یحزنهم أن لا یکون للإمام الرضا علیه السلام خلیفة.

ولکن المسألة الجدیرة بالاهتمام هی تولی منصب الخلافة فی سن السابعة أو الثامنة من عمره الشریف مما شکل سابقة فی الفکر الإمامی، ولکن هذا الأمر لیس بغریب فی حیاة الأولیاء التی فیها الکثیر من المعجزات والکرامات التی اخترقت نوامیس الطبیعة.

إن الزمان الذی عایشه الإمام الجواد علیه السلام تمیز بوجود شخصیة متمیزة على سدة الحکم ذات دهاء وعلم واسع وأسلوب فی العمل تمیزت بها عن غیرها من الشخصیات التی توالت على الحکم وتصدت لمواجهة الأئمة ،علیهم السلام هو المأمون الذی شهد له التاریخ بأنه أدهى بنی العباس3 کما کان معاویة أدهى بنی أمیة.

فإن من سبق المأمون فی الحکم کانوا یواجهون الأئمة علیهم السلام وأتباعهم بشکل مباشر وبالحدید والنار وقد رأى بعینه کیف کان أبوه هارون الرشید یتعامل مع الشیعة بکل قسوة لکنه علم أن هذا الأسلوب من التعامل مع الشیعة وأئمتهم لن یزیدهم إلا قوة وتمسکاً بخطهم بل أنه سیزلزل حکم بنی العباس أیضاً کما زلزل من قبلهم حکم بنی أمیة واقتلعه من جذوره

خطة المأمون

لقد اتبع المأمون سیاسة أخرى مع الشیعة تترکز على محاولة تضعیف الفکر الشیعی والطعن به من الداخل بشکل یحدث زلزالاً فی وجدانهم وعقائدهم فیقضی علیهم بشکل لا تقوم لهم قائمة بعده. وقد لاحظ أن الإمامة هی الحصن الأساسی لهذا الفکر. من هنا کان سعیه بهذا الاتجاه من جهات عدة:

1 – محاولة تحطیم عقیدة الشیعة بعصمة الإمام علیه السلام من خلال استدعائه إلى دار الخلافة لیعیش فی بذخ القصور بشکل یسقط مفهوم العصمة

2 – محاولة تحطیم عقیدتهم بعلم الإمام علیه السلام من خلال تشکیل المناظرات مع أبرز العلماء الذین تصل یده إلیهم بحضور رؤساء القوم وأشرافهم علّه یحصل اشتباه أو توقف فیحصل مراد المأمون.

3 – إذا لم ینجح فی تحطیم فکرة الإمامة فهو على الأقل سیضمن الإمام إلى جانبه کشخص تابعٍ للسلطان فیتحول الشیعة من معارضین إلى اتباع لسلطان بنی العباس وحکمهم.

بالإضافة إلى أن عمل الشیعة بالتقیة والخفاء یشکل مشکلة حقیقیة بالنسبة للدولة، وقرب الإمام من المأمون ووقوعه تحت نظره فی جمیع الأوقات یسمح للمأمون برصد جمیع تحرکات الإمام علیه السلام واتصالاته وبالتالی کشف وجهاء الشیعة.

وقد واجه المأمون الإمام الرضا علیه السلام بهذا الاسلوب وبهذه السیاسة ولکن سیاسته باءت بالفشل الذریع ولم یستطع أن یسجل موقفاً واحداً على الإمام یستطیع أن یستفید منه فی خطته هذه إلى أن فقد الأمل ووجد أن الدّفة تمیل لغیر صالحه وأن الإمام الرضا علیه السلام وبسبب هذه المناظرات والمواقف وجد شهرة فی البلاد وحبا شدیداً بین العباد، وشیعته تزداد یوماً بعد یوم، فلم یبق أمامه إلا حل واحد وهو دس السم والتخلص من وجوده الشریف المبارک.

وفی هذه الظروف والأجواء انتقلت المواجهة إلى الإمام الجواد علیه السلام وکان له من العمر ما یقارب الثمانی سنوات، وعندها وجد المأمون نفسه أمام الإمام الجواد علیه السلام الذی ما زال فی عمره صبیاً صغیراً، فتجدد أمله بتحقیق مخططه وعبر اسلوبه القدیم، فإن الذی یواجهه الان لیس الإمام الرضا علیه السلام بل هو صبی لم یبلغ الحلم، ومن کان فی عمره عادة لن یستطیع أن یناظر کبار العلماء أویصمد أمام مغریات السلطان ودار الخلافة بکل ما فیها.

من هنا نراه یستدعی الإمام الجواد علیه السلام إلى بغداد.

مواجهة الإمام الجواد علیه السلام

لقد واجه الإمام الجواد علیه السلام هذه السیاسة من اللحظة الأولى التی وطأت قدماه فیها بغداد، وأسقطها تباعاً:

1 – على المستوى العلمی، هیأ المأمون للمناظرات بین الإمام علیه السلام وبین قاضی الزمان یحیى بن أکثم بحضور جمع من الأشراف ورؤساء القوم، وقد صرح المأمون بغرضه من تلک المناظرات حیث قال لیحیى «اطرح على أبی جعفر محمد بن الرضا علیه السلام مسألة تقطعه فیها» ولکنها کانت دائماً تسیر لصالح الإمام علیه السلام وکان یتوقف خصمه ویدهش لشدة ما یراه من إحاطة وسعة فی علم الإمام علیه السلام .

ومن هذه المناظرات. قال یحیى: ما تقول جعلت فداک فی محرم قتل صیدا؟.

فقال أبو جعفر علیه السلام :

“قتله فی حل أو حرم عالما کان المحرم أو جاهلاً قتله عمداً أو خطأً، حراً کان المحرم أو عبداً، صغیراً کان أو کبیراً، مبتدئاً بالقتل أو معیداً، من ذوات الطیر کان الصید أم من غیرها، من صغار الصید أم من کبارها، مصراً على ما فعل أو نادماً، فی اللیل کان قتله للصید أم فی النهار، محرماً کان بالعمرة إذ قتله أو بالحج کان محرماً؟”.

فتحیر یحیى بن أکثم وبان فی وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمرهز

ثم شرح الإمام علیه السلام بعد ذلک تفصیل هذه المسائل قائلاً:

“إن المحرم إذا قتل صیداً فی الحل وکان الصید من ذوات الطیر، وکان من کبارها، فعلیه شاة، فان أصابه فی الحرم فعلیه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً فی الحل فعلیه حمل قد فطم من اللبن، وإذا قتله فی الحرم فعلیه الحمل وقیمة الفرخ، فإذا کان من الوحش وکان حمار وحش فعلیه بقرة، و إن کان نعامة فعلیه بدنة، وإن کان ظبیاً فعلیه شاة، وإن کان قتل شیئاً من ذلک فی الحرم فعلیه الجزاء مضاعفاً هدیاً بالغ الکعبة. وإذا أصاب المحرم ما یجب علیه الهدی فیه، وکان إحرامه بالحج نحره بمنى، وإن کان إحرامه بالعمرة

نحره بمکة، وجزاء الصید على العالم والجاهل سواء وفی العمد علیه المأ ثم وهو موضوع عنه فی الخطاء، والکفارة على الحر فی نفسه، وعلى السید فی عبده، والصغیر لا کفارة علیه، وهی على الکبیر واجبة والنادم یسقط ندمه عنه عقاب الاخرة والمصر یجب علیه العقاب فی الاخرة”.

وکان من اثار هذه المناظرات أن انتشر الفکر الشیعی وشاع وبانت قوته ومتانته وعلوّه، فانقلب السحر على الساحر.

2 – وأما من جهة العصمة، فقد حاول المأمون الطعن بها وتسجیل ولو خطأ واحد على الإمام علیه السلام ، وبذل لذلک کل ما أمکنه، فعن محمد بن الریان قال: «احتال المأمون على أبی جعفر علیه السلام بکل حیلة فلم یمکنه فیه شی‏ء فلما أراد أن یبنی علیه ابنته دفع إلى مائة وصیفة من أجمل ما یکنّ إلى کل واحدة منهن جاماً فیها جوهر یستقبلون أبا جعفر علیه السلام إذا قعد فی موضع الختان، فلم یلتفت إلیهن، وکان رجل یُقال له مخارف صاحب صوت وعود وضرب، طویل اللحیة فدعاه المأمون فقال: یا أمیر المؤمنین إن کان فی شی‏ء من أمر الدنیا فأنا أکفیک أمره، قعد بین یدی أبی جعفر علیه السلام لا یلتفت إلیه لا یمیناً ولا شمالاً، ثم رفع رأسه علیه، وقال علیه السلام : (اتقِ الله یا ذا العثنون)، قال: فسقط المضراب من یده والعود فلم ینتفع بیده إلى أن مات.

ورغم الحقیقة الراسخة فی عصمة الإمام علیه السلام إلا أن المأمون کان قادراً على الاستفادة من وجود الإمام فی قصر الخلافة من الجهة الإعلامیة لیعکسها بشکل سلبی على الشارع الشیعی، وقد واجه الإمام علیه السلام ذلک أیضاً واسقطه، فقد روی عن الحسین المکاری قال: دخلت على أبی جعفر ببغداد وهو على ما کان من أمره، فقلت فی نفسی: هذا رجل لا یرجع إلى موطنه أبداً وما أعرف مطعمه؟4 قال: فأطرق رأسه ثم رفعه وقد أصفر لونه.

فقال علیه السلام :

“یا حسین خبز شعیر وملح جریش فی حرم رسول الله أحب إلی مما ترانی فیه”.

3 – لم یستطع أن یحول الشیعة إلى المشروع العباسی ویستفید منهم کأتباع لهذا المشروع، بل على العکس فقد استفاد الإمام علیه السلام من هذه السیاسة فی تقویة المشروع الإسلامی الأصیل.

﴿ یُرِیدُونَ أَن یُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَیَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن یُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ ﴾

وعلى أی حال فإن المأمون استمر بسیاسته هذه یحصد الفشل تلو الاخر إلى أن توفی وحکم بعده أخوه المعتصم، فسار مدة بسیرة المأمون، ولکنه سرعان ما فقد الأمل من تحقیق أهدافه، وفهم الاثار التی تحصل بسبب هذه السیاسة التی لم تزد مشروعه إلا ضعفاً ووهنا والشیعة إلا علوا ومتانة، وأحس بالاحباط والفشل فتخلى عن سیاسته هذه وتوسل بالحدید والنار شان کل ضعیف لا یقدر على مواجهة الکلمة والفکر، فدس السم له واستشهد علیه السلام على عمر لم یتجاوز الخمسة وعشرین عاماً.
المصدر  : موقع العتبة الرضوية المقدسة