quran

ما هو الإعجاز في القران الكريم؟

الدليل الذي يبرهن على صدق النبي في دعواه هو المعجزة وهي أن يحدث النبي تغييراً في الكون، يتحدى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحس والتجربةالنبي – أي نبي – صاحب رسالة يريد أن ينفذ بها الى قلوب الناس وعقولهم ليصنع الانسان الافضل الذي يريده اللّه على وجه الارض، ولا يمكنه أن يحقق هذا الهدف ما لم يكسب ايمان الناس بنبوته، واعتقادهم بصدق دعواه لكي يتاح له أن يستلم زمام قيادتهم ويغذيهم برسالته ومفاهيمها ومبادئها.

والناس لا يؤمنون بدون دليل، فلا يمكن للنبي أن يدعوهم الى الايمان به، وبرسالته، ويكلفهم بذلك ما لم يقدم لهم الدليل الذي يبرهن على صدق دعواه، وكونه رسولاً حقاً من قبل اللّه تعالى فكما لا نصدق في حياتنا الاعتيادية شخصاً يدعي تمثيل جهة رسمية مثلاً، ما لم يدعم دعواه بالدليل على صدقه، ونرفض مطالبته لنا بتصديقه من دون برهان، كذلك لا يمكن للانسان أن يؤمن برسالة النبي ونبوته الا على أساس الدليل.

والدليل الذي يبرهن على صدق النبي في دعواه هو المعجزة وهي أن يحدث النبي تغييراً في الكون، يتحدى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحس والتجربة، فمن وضع الماء على النار ليكون حاراً فارتفعت درجة حرارته يطبق قانوناً طبيعياً عرفه الناس عن طريق الحس والتجربة،وهو انتقال الحرارة من الجسم الحار الى الجسم الذي يجاوره. وأما من ادعى انه يجعل الماء حاراً بدون الاستعانة بأي طاقة حرارية، وحقق ذلك فعلاً فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي يكشف عنها الحس والتجربة، ومن ابرأ مريضاً باعطائه مادة مضادة للميكروب الذي أمرضه، يطبق قانوناً طبيعياً يعرفه بالتجربة وهو أن هذه المادة بطبيعتها تقتل الميكروب الخاص. وأما من أبرأ المريض بدون اعطاء أي مادة مضادة فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي يعرفها الناس بالتجربة، ويحقق المعجزة.

فاذا أتى النبي بمعجزة من هذا القبيل، كانت برهاناً على ارتباطه باللّه تعالى، وصدقه في دعوى النبوة، لان الانسان بقدرته الاعتيادية، لا يمكنه أن يغير في الكون شيئاً، الا بالاستفادة من القوانين الكونية التي يعرفها عن طريق الحس والتجربة، فاذا استطاع الفرد، أن يحقق تغييراً يتحدى به هذه القوانين، فهو انسان يستمد قدرة استثنائية من اللّه تعالى، ويرتبط به ارتباطاً يميزه عن الآخرين. الامر الذي يفرض علينا تصديقه اذا ادعى النبوة.

وعلى ضوء ما قلناه نعرف ان سبق النوابغ من العلماء في الحقول العلمية، لا يعتبر معجزة فاذا افترضنا ان شخصاً من العلماء اليوم سبق انداده ونجح في اكتشاف الميكروب السرطاني مثلاً والمادة التي تقضي عليه فهو يستطيع بحكم اكتشافه أن يبرئ مريضاً من السرطان بينما يعجز عن ذلك جميع العلماء الآخرين. ولكن عمله هذا ليس معجزة لانه انما يتحدى جهل العلماء الآخرين بالسر ولا يتحدى القوانين الكونية التي تثبت بالحس والتجربة، بل هو انما استطاع أن يبرئ المريض من السرطان على أساس تجربة فذة قام بها في مختبره العلمي فاكتشف قانوناً لم يعرفه غيره حتى الآن. ومن الواضح ان معرفته بالقانون الطبيعي عن طريق التجربة، ليست تحدياً للقانون، وانما تحدى بذلك زملاءه الذين عجزوا عن اكتشاف القانون قبله.

القرآن هو المعجزة الكبرى :

وما دمنا قد عرفنا ان المعجزة هي أن يحدث النبي تغييراً في الكون يتحدى به القوانين الطبيعية، فمن الميسور أن نطبق فكرتنا هذه عن المعجزة على القرآن الكريم، الذي أحدث تغييراً هائلاً، وثورة كبرى في حياة الانسان، لا تتفق مع المألوف والمجرب من القوانين الكونية للمجتمع. فنحن اذا درسنا الوضع العالمي، والوضع العربي والحجازي بصورة خاصة وحياة النبي قبل البعثة ومختلف العوامل والمؤثرات التي كانت متوفرة في بيئته ومحيطه ثم قارنا ذلك بما جاء به الكتاب الكريم، من رسالة عظمى، تتحدى كل تلك العوامل، والمؤثرات، وما أحدثه هذا الكتاب من تغيير شامل، كامل، وبناء لأمة تملك أعظم المقومات والمؤهلات، اذا لاحظنا كل ذلك وجدنا ان القرآن معجزة كبرى، ليس لها نظير لانه لم يكن نتيجة طبيعية لتلك البيئة المنخفضة بكل ما تضم من عوامل ومؤثرات، فوجوده اذن يتحدى القوانين الطبيعية ويعلو عليها، وهدايته، وعمق تأثيره لا تفسره تلك العوامل والمؤثرات. ولكي يتجلى ذلك بوضوح يمكننا أن نستعرض البيئة التي أدى فيها القرآن رسالته الكبرى ونقارن بينها وبين البيئة التي صنعها، والامة التي أوجدها، وبهذا الصدد يجب أن نأخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:-

1 – ان القرآن شع على العالم من جزيرة العرب، ومن مكة بصورة خاصة، وهي منطقة لم تمارس أي لون من ألوان الحضارة والمدنية، التي مارستها مختلف المجتمعات الراقية نسبياً يومئذ. وكانت هذه اولى المفارقات التي برهنت على أن الكتاب لم يجر وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية، لان هذه القوانين تحكم بأن الكتاب مرآة لثقافة عصره، ومجتمعه، الذي عاشه صاحب الكتاب، وتثقف فيه، فهو يعبر عن مستوى من مستويات الثقافة في ذلك المجتمع، أو يعبر على أفضل تقدير عن خطوة الى الامام في تلك الثقافة، وأما أن يطفر الكتاب طفرة هائلة، ويأتي بدون سابق مقدمات وبلا ارهاصات بثقافة من نوع آخر لا تمت الى الافكار السائدة بصلة ولا تستلهمها، وانما تقلبها رأساً على عقب، فهذا ما لا يتفق مع طبيعة الاشياء في حدود التجربة التي عاشها الناس في كل عصر، وهذا ما وقع للقرآن تماماً فانه اختار أكثر المناطق والمجتمعات تأخراً، وبدائية، وضيق افق، وبعداً عن التيارات الفلسفية، والعلمية ليفاجئ العالم بثقافة جديدة، كان العالم كله بحاجة اليها، وليثبت انه ليس تعبيراً عن الفكر السائد في مجتمعه، ولا خطوة محدودة الى الامام، وانما هو شيء جديد بدون سابق مقدمات.

وهكذا نعرف ان اختيار البيئة، والمجتمع، كان هو التحدي الاول للقوانين الطبيعية التي تقتضي، ان تولد الثقافة الجديدة في ارقى البيئات من الناحية الفكرية والاجتماعية.

2 – ان القرآن بشر به النبي وأعلنه على العالم، فَرد من أفراد المجتمع المكي، ممن لم ينل ما يناله حتى المكيون من ألوان التعلم، والتثقيف، فهو أمي، لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش بين قومه اربعين سنة فلم تؤثر عنه طيلة هذه المدة محاولة تعلم أو اثارة من علم أو أدب.

«وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذاً لارتاب المبطلون»(1).

«قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون»(2).

وهذا يعتبر تحدياً آخر من القرآن للقوانين الطبيعية، اذ لو كان القرآن جارياً وفق هذه القوانين، لما كان من الممكن أن يجيء به فرد أمي، لم يشارك حتى في ثقافة مجتمعه، بالرغم من بساطتها، ولم يؤثر عنه أي بروز في عالم اللغة بمختلف مجالاتها، فيبذ به الانتاج الادبي كله ويبهر بروعته، وحكمته وبلاغته، أعاظم البلغاء والعلماء. فهل رأيت في مجرى القوانين الطبيعية شخصاً جاهلاً بالطب لم يدرس عنه شيئاً يتقدم بكتاب في الطب يبهر عقول الاطباء بما يضم من أسرار العلم وآياته ؟ وهل رأيت في مجراها شخصاً لا يحسن أن يكتب في لغة ما، ولا يجيد شيئاً من علومها يأتي بالرائعة التاريخية في حياة تلك اللغة ويكشف عن امكانيات ادبية هائلة في تلك اللغة لم تكن تخطر على بال حتى يتصور الناس أنه ساحر ؟

والواقع أن المشركين في عصر البعثة أحسوا بهذا التحدي العظيم وكانوا حائرين في كيفية تفسيره ولا يجدون تفسيراً معقولاً له وفق القوانين الطبيعية، ولدينا عدة نصوص تاريخية، تصور حيرتهم في تفسير القرآن وموقفهم القلق من تحديه للقوانين، والعادات الطبيعية، فمن ذلك ان الوليد بن المغيرة استمع يوماً الى النبي في المسجد الحرام وهو يقرأ القرآن فانطلق الى مجلس قومه بني مخزوم فقال : (واللّه لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن وان له لحلاوة وأن عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسفله لمعذق وانه ليعلو وما يعلى) ثم انصرف الى منزله فقالت قريش صبا واللّه الوليد واللّه ليصبأن قريش كلهم فقال أبو جهل انا أكفيكموه، فانطلق فقعد الى جنب الوليد حزيناً فقال له الوليد ما لي أراك حزيناً يابن أخي، فقال له هذه قريش يصيبونك على كبر سنك ويزعمون انك زينت كلام محمد فقام الوليد مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم : تزعمون ان محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق قط، فقالوا اللهم لا فقال تزعمون انه كاهن، فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك، قالوا اللهم لا، فقال تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط، قالوا اللهم لا، قال تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب، فقالوا اللهم لا، فما هو اذن ؟ فغرق الوليد في الفكر ثم قال ما هو الا ساحر ! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، وولده، ومواليه، فنزل قوله تعالى : (انه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال ان هذا الا سحر يؤثر)(3).

وقد افترض بعض العرب امام تحدي القرآن لهم بنزوله على شخص أمي أن يكون أحد من البشر قد علم النبي القرآن ولم يجرأوا وهم الاميون على دعوى تعلمه من احد منهم فقد ادركوا بالفطرة ان الجاهل لا يعلم الناس شيئاً وانما زعموا أن غلاماً رومياً، اعجمياً، نصرانياً، يشتغل في مكة قينا (حداداً) يصنع السيوف، هو الذي علم النبي، القرآن، وكان ذلك الغلام على عاميته يعرف القراءة والكتابة. وقد تحدث القرآن الكريم عن افتراض العرب هذا ورد عليه رداً بديهياً قال تعالى : (لسان الذي يلحدون اليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)(4).

3 – ان القرآن الكريم يمتد بنظره الى الغيب المجهول في الماضي البعيد وفي المستقبل على السواء، فهو يقص أحسن القصص عن أمم خلت، وما وقع في حياتها من عظات وعبر، وما اكتنفها من مضاعفات، يتحدث عن كل ذلك حديث من شاهد الاحداث كلها، وراقب جريانها، وعاش في عصرها، بين اصحابها، قال اللّه تعالى : «تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين»(5) وقال : (وما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الى موسى الامر وما كنت من الشاهدين ولكنا انشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) وقال «ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون»(6).

وكل هذه الآيات الكريمة تؤكد تحدي القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الاحداث، واحاطته بالماضي المجهول، اذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية أن يتحدث شخص في كتاب عن احداث امم في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها ؟

وقد أحسّ المشركون بهذا التحدي ايضاً «وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً»(7). وكانت حياة محمد (ص)، رداً مفحماً لهم فقد عاش في مكة، ولم تتهيأ له أية دراسة لاساطير الاولين، أو كتب العهدين، التوراة والانجيل، ولم يخرج من المنطقة الا مرتين، سافر فيهما الى الشام، اولاهما، في طفولته مع عمه لقي فيها بحيراً، وهو ابن تسع سنين، فقال هذا الراهب لعمه : سيكون لابن اخيك هذا شأن عظيم. والاخرى في تجارة خديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة، غلام خديجة، ولم يتجاوز (ص) سوى مدينة بصرى، في كلتا الرحلتين القصيرتين. فأين تأتي للنبي أن يدرس التوراة أو يكتب أساطير الاولين ؟ والحقيقة ان مقارنة القصص التي جاءت في القرآن الكريم بالعهد القديم تؤكد التحدي، اِذ تبرز اعجاز القرآن بصورة اوضح، لأن التوراة التي شهد القرآن بتحريفها كانت قصصها وأحاديثها عن ماضي الامم واحداثها مشحونة بالخرافات والاساطير وما يسيء الى كرامة الانبياء، ويبتعد بالقصة عن اهداف التبليغ والدعوة بينما نجد قصص تلك الامم في القرآن، قد نفيت من تلك العناصر الغريبة، وأبرزت فيها الجوانب التي تتصل بأهداف التبليغ واستعرضت بوصفها عظة وعبرة لا مجرد تجميع أعمى للمعلومات.

وكما كان القرآن محيطاً بالماضي، كذلك كان محيطاً بالمستقبل، فكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه فتحقق وفقاً لما أخبر به، ورآه المشركون، ومن هذا القبيل اخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، اذ قال تعالى : (غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)(8). وقد اخبر القرآن بذلك على أعقاب هزيمة فظيعة مني بها الروم، وانتصار ساحق سجله الفرس عليهم، ففرح المشركون بذلك لانهم رأوا فيه انتصاراً للشرك والوثنية، على رسالات السماء نظراً الى أن الفرس المنتصرين كانوا وثنيين والروم كانوا نصارى، فنزل القرآن يؤكد انتصار الروم في المستقبل القريب، فهل يمكن لكتاب غير نازل من اللّه تعالى أن يؤكد خبراً غيبياً من هذا القبيل، ويربط كرامته ومصيره بالغيب المجهول وهو يهدد مستقبله بالفضيحة اذا ظهر كذبه في نبوءته ؟

وهكذا نجد ان القرآن يتحدى الغيب في الماضي، والمستقبل، على السواء ويتحدث بلغة المطمئن الواثق، الذي لا يخالجه شك، فيما يقوله وهذا ما لا يقدر عليه انسان أو كتاب انسان وفقاً للقوانين الطبيعية.

تحرير القرآن للانسان من الوثنية :

كان العرب، الذين نزل القرآن الكريم على النبي (ص) في حوزتهم، يعتقدون في اللّه انه اله خالق، مدبر للعالم (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه) ولكنهم افترضوا لضعف تفكيرهم، وبعد عهدهم من النبوة والانبياء، وجود وسطاء وهميين بينهم وبين اللّه تعالى، وزعموا لهؤلاء الوسطاء الذين تخيلوهم قدرة على النفع والضر، فجسدوهم في أصنام من الحجارة، وأشركوا هذه الاصنام مع اللّه في العبادة والدعاء، حتى تطورت فكرة الوساطة في أذهانهم الى الاعتقاد بالوهية الوسطاء، ومشاركة تلك الاصنام للّه في تدبير الكون. وكادت أن تمحي فكرة التمييز بين الوسطاء واللّه تعالى وسادت الوثنية بأبشع اشكالها وانغمس العرب في الشرك، وعبادة الاصنام، وتأليهها فكان لكل قبيلة أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي فقد قال الكلبي : (كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فاذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به واذا قدم من سفر كان اول ما يصنع اذا دخل منزله أن يتمسح به ايضاً وقد كان في جوف الكعبة وفي فنائها، ثلاثمائة وستون صنماً، وأدى الامر بالعرب الى تقديس الحجارة بصورة عامة، واسباغ الطابع الالهي عليها، ففي صحيح البخاري عن ابي رجاء العطاردي قال : كنا نعبد الحجر، فاذا وجدنا حجراً هو خير منه القيناه وأخذنا الآخر، فاذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، وقال الكلبي (كان الرجل اذا سافر فنزل منزلاً أخذ اربعة احجار فنظر الى أحسنها فاتخذه رباً وجعل ثلاث اثافي لقدره واذا ارتحل تركه).

ولم يقتصر العرب على عبادة الاحجار بل كان لهم آلهة شتى من الملائكة، والجن، والكواكب، فكانوا يعتقدون ان الملائكة بنات اللّه واتخذوا من الجن شركاء له وآمنوا بقدرتهم وعبدوهم ويروى عن حمير عبادة الشمس، وعن كنانة عبادة القمر، وعن لخم وجذام عبادة المشتري، وعن أسد عبادة عطارد، وعن طي عبادة سهيل.

وكان في العرب يهود، ونصارى، الى جانب تلك الكثرة من المشركين، ولكن اليهودية، والنصرانية، لم يكن بامكانها أن تصنع شيئاً بعد أن منيت هي نفسها بالتحريف والزيغ، وأصبحت مجرد شعارات وطقوس، وبعد أن امتزجت المسيحية العالمية بوثنية الرومان، وأضحت لوناً من الوان الشرك. فلم تكن النصرانية أو اليهودية في بلاد العرب الا نسختين من اليهودية في الشام، والنصرانية في بلاد الروم والشام، تحملان كل ما منيت بها هاتان الديانتان من نكسات وزيف.

وهذه الصورة العامة عن الوثنية والشرك في بلاد العرب، تكفي لكي نتصور مدى ما بلغه الانسان الجاهلي من ضعة، وميوعة، وتنازل عن الكرامة الانسانية، حتى أصبح يدين بعبادة الحجر، ويربط وجوده، وكل آماله، وآلامه، بكومة من تراب. وما من ريب في أن عبادة الاصنام، والاحساس بالعبودية والذلة بين يديها، والسجود امامها، كل ذلك يترك في النفس من الآثار الروحية، والفكرية، ما يفقد الانسان كرامته، ويجمد فيه طاقاته المتنوعة، ويجعله أقرب للخضوع، والخنوع، والاستسلام، لكل قوة أو قوى ما دام يستسلم لأخس الكائنات وأتفهها.

ولم يكن وضع العقيدة، والعبادة، في سائر ارجاء العالم احسن حالاً منه في بلاد العرب، لأن الوثنية بمختلف أشكالها كانت هي المسيطرة اما بصورة صريحة، كما في الهند والصين وايران، أو بصورة مبطنة، كما في اوربا المسيحية التي تسللت فيها وثنية الرومان الى النصرانية وشوهت معالمها، والعبادة للاصنام، أو للملوك، ولأرباب الاديان، كانت في كل مكان فلا تجد الا انساناً يعبد نظيره أو ما هو أخس منه من الكائنات أو انساناً يزعم لنفسه العبادة والحق الالهي في الطاعة والسيادة.

في هذا الجو الوثني المسعور جاء القرآن الكريم ليرتفع بالانسان من الحضيض الذي هوى اليه ويحرره من أسر الوثنية، ومهانتها، ومختلف العبوديات المزيفة التي مني بها، ويركز بدلاً عنها فكرة العبودية المخلصة للّه وحده، لا شريك له، ويعيد للانسان ايمانه بكرامته وربه.

فانظروا الى هذه النصوص القرآنية التالية لتجدوا كيف يؤكد القرآن على فكرة العبادة للّه وحده، ويهيب بالانسان الى التحرر من كل عبادة سواها.

«يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا اللّه حق قدره ان اللّه لقوي عزيز»(9).

«قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا اللّه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً ارباباً من دون اللّه»(10).

«اتخذوا احبارهم ورهبانهم ارباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم وما اُمروا الا ليعبدوا اِلهاً واحداً لا اله الا هو سبحانه عما يشركون»(11).

وقد استطاع القرآن أن ينتصر على الوثنية وألوانها المختلفة، ويصنع من المشركين امة موحدة تؤمن باللّه، لا ايماناً نظرياً فحسب بل اِيماناً يجري مع دمائها وينعكس في كل جوانب حياتها.

وقد كان لهذا الايمان الذي زرعه القرآن في النفوس مثل فعل السحر فما يدخل في قلب انسان الا حوله انساناً آخر في مشاعره وعواطفه وقوة نفسه وعظمة أهدافه، واحساسه بكرامته، وفي المثالين التاليين نستطيع أن نتبين ذلك بوضوح :

1 – عن أبي موسى قال انتهينا الى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسِّيسون جلوس سماطين وقد قال له عمرو وعمارة انهم لا يسجدون لك فلما انتهينا بدأنا من عنده من القسِّيسين والرهبان اسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد الا للّه.

2 – ارسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً الى رستم قائد الجيوش الفارسية واميرهم فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير وقد جلس على سرير من ذهب وعليه تاجه المزين باليواقيت واللآلئ الثمينة ودخل ربعي بثياب صفيقة، وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له ضع سلاحك فقال ان تركتموني هكذا والا رجعت فقال رستم ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه، فقال له ما جاء بكم فقال اللّه ابتعثنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة اللّه، ومن ضيق الدنيا، الى سعتها ومن جور الاديان الى عدل الاسلام.

هكذا استطاع القرآن عن طريق زرع الايمان باللّه وتربية المسلمين على التوحيد والشعور بالعبودية للّه وحده، استطاع عن هذا الطريق أن يجعل من اولئك الذين كانوا يخضعون للحجارة، ويدينون بسيادتها امة موحدة لا تخضع الا للّه، ولا تتذلل لقوة على وجه الارض ولا تستكين لجبروت الملك، وعظمة الدنيا، ولو في أحرج اللحظات وتمتد بأهدافها نحو تغيير العالم، وهداية شعوب الارض، الى التوحيد، والاسلام، وانقاذها من أسر الوثنية، ومختلف العبوديات للآلهة المزيفة، والارباب المصطنعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: علوم القران / السيد محمد باقر الحكيم

(1) العنكبوت 49.

(2) سورة يونس 16.

(3) المدثر 19 – 25.

(4) النمل 103.

(5) سورة هود 49.

(6) آل عمران 44.

(7) الفرقان 5.

(8) الروم 1 – 3.

(9) سورة الحج 24 – 25.

(10) آل عمران 85.

(11) التوبة 33.
المصدر : العتبة الحسينية المقدسة