تقارير و وثائق… تهويد القدس بأموال اماراتية

أكثر من 150 بؤرة استيطانية أصبحت حول المسجد الأقصى والمناطق المحيطة به.. أموال الإمارات والسماسرة الذين يحمي الاحتلال بعضهم، وجمعيات الاستيطان، والقوانين الإسرائيلية الجائرة تلتهم مساكن الفلسطينيين المجاورين للمسجد الأقصى وما حوله.

هذا التحقيق تتبع بالوثائق والشهادات مسار بيوت عدة في البلدة القديمة وسلوان وصلت كلها في النهاية إلى أيدي مستوطنين.

و تم رصد جمعيات وشركات وشخصيات تعمل على تسريب منازل فلسطينية، ويحظى بعض نشاطها بتغطية من شخصيات في السلطة الفلسطينية التي يتهم بعض رموزها بالتواطؤ في ملف التسريب.

مراحل تسريب المنازل في القدس

منزل جودة.. اتهامات للسلطة
عرض عقار عائلة جودة -الذي يبعد عن المسجد الأقصى نحو 350 مترا- للبيع منذ عام 2012، طرحت العائلة فكرة بيع المنزل على إدارة الأوقاف ووزارة التربية الفلسطينية، لكن البيت بقي بلا مشتر لمدة عامين إلى أن ظهر فادي السلامين، وهو شاب فلسطيني مقرب من محمد دحلان ووقع اتفاقية بيع أولية مع صاحب المنزل أديب جودة.

لكن تلك الاتفاقية فسخت عند المحكمة المركزية بسبب عدم تمكن السلامين من إتمام ثمن العقار -كما يشرح جودة- ليختفي السلامين، ويظهر خالد العطاري الذي قدّم على أنه رجل أعمال.

وكالة دورية العطاري -وثيقة ١

عند ظهور العطاري تداول الأهالي خبر نية بيع منزل عائلة جودة فاتصل كمال قويدر -وهو مواطن مقدسي حمل على عاتقه الوقوف في وجه تسريب المنازل- بمحافظ القدس عدنان الحسيني الذي كان حينها على رأس عمله في المحافظة، محذرا من نية تسريب العقار.

يصف قويدر بلكنته المقدسية جهود المستوطنين للاستحواذ على عقار عائلة جودة، قائلا “منيش عارف ليش اليهود مستلحمين على هالبيت الموجود بحارة السعدية”.

ويواصل استغرابه “كأن بهذا البيت القريب جدا من المسجد شيئا ما يؤدي إلى الأقصى، لست أدري.. لقد جند اليهود ناسا كثرا للاستيلاء على هذا البيت، من دحلان إلى الإمارات، إلى فادي السلامين، إلى خالد العطاري، إلى أديب جودة، يوجد كثير من النافذين لهم علاقة ببيع هذا البيت”.

طمأن الحسيني كمال قويدر في اتصال مسجل بأن البيت لن يباع قائلا “نحن نتابع الموضوع، لا تقلق حتى لو اشتراه العطاري فلن يستطيع بيعه في النهاية لأن العقار وقف”.

بهذه الطمأنة سكنت نسبيا نفوس المقدسيين، وكانت الأمور تجري في صمت.

حصل خالد العطاري على تزكية من المحافظ عدنان الحسيني وافى بها آل جودة، وبدأت إجراءات نقل ملكية المنزل إلى العطاري.

يدافع الحسيني عن نفسه بأن المحافظة ليست معنية بالبحث المباشر في خلفيات الشخصيات، وأنها تحيل عملية البحث إلى أجهزة الأمن، وبعد أن تستكمل أجهزة الأمن بحثها وتحيل النتائج إلى المحافظة تُمنح الموافقة على البيع.

مراحل تسريب منزل عائلة جودة

لن يواجه العطاري مشكلة في الحصول على تزكية من أجهزة الأمن، فهو صديق لمدير المخابرات الفلسطينية ماجد فرج كما تقول صحيفة هآرتس، وللمحافظ عدنان الحسيني أيضا، وقد زكاه الأخير في النهاية وزكته شخصيات فلسطينية أخرى كما يفيد صاحب المنزل المسرب أديب جودة.

وتثبت الوثائق أن اتفاقية بيع تمت بين عائلة جودة عن طريق لمياء جودة وخالد العطاري بتاريخ 28 ديسمبر/كانون الأول 2016، وبعدها انتقل عقد كهرباء المنزل إلى اسم العطاري.

ويدافع العطاري عن نفسه بأن اتفاقية البيع تمت بين عائلة جودة وشركة “داهو هولينغز ليمتد” بشكل مباشر ولا دخل له فيها، ويرفع في وجه محدثيه ما قال إنها نسخة من الاتفاقية، لكن دائرة الأملاك الإسرائيلية قطعت الشك باليقين، فمن خلال وثيقة صادرة عنها نجد أن المنزل انتقل من ملكية عائلة جودة إلى ملكية خالد العطاري في 23 أبريل/نيسان 2018 وانتقلت في اليوم نفسه من خالد العطاري إلى شركة “داهو هولينغز ليمتد”.

وبعد ذلك حصلت جمعية عطيرد كهونيم الاستيطانية على المنزل مقابل دفع 17 مليون دولار للشركة التي اشترته بمبلغ 2.5 مليون دولار.

وما زاد تأكيد ارتباط العطاري بالصفقة التي تبرأ منها في آخر مقابلة صحفية أجريناها معه قبيل اختفائه عن الأنظار هو كون أوراق الشركة التي تحول العقار إليها تحمل اسمه باعتباره متعهدا.

الشيخ كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل قال إن العطاري وماجد فرج من جهة، وفادي السلامين ومن خلفه محمد دحلان والإمارات من جهة أخرى “يتنافسون” لإيصال العقار إلى أيدي المستوطنين اليهود.

وأعلن رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد لله في حسابه الشخصي على تويتر أن السلطة شكلت لجنة للتحقيق في تسريب العقار.

ورفضت حركة فتح في بيان رسمي لها “الزج بأسماء الشخصيات الوطنية” في ملف القضية، لكن الأهالي الذين يتهمون شخصيات في السلطة لم يلتفتوا إلى ما يعتبرونه تغاضيا أو تعاونا على تسريب العقار، بل شكلوا لجنة محلية لمتابعة القضية حضر جلسة تشكيلها كل من أديب جودة وخالد العطاري.

اعتقل اثنان من قيادات اللجنة التي شكلها الأهالي، وكان تحذير السلطات الإسرائيلية لهما من الاقتراب من ملف التسريب، أو التعرض لمن كان سببا في تسريب بيت آل جودة يطابق إلى حد بعيد التحذيرات التي جاءت من شخصيات محسوبة على السلطة الفلسطينية، وهي “نفسها المطالب التي تحمي مسربي بيت آل جودة، وتمنع الوصول إلى القوة التي تقف خلفهم في الداخل والتي شجعت العطاري على بيع المنزل” على حد تعبير عبد الله علقم رئيس اللجنة الذي سجل الوقائع.

قانون أملاك الغائبين

استيقظ المقدسيون على بيت آل جودة وقد تحول إلى بؤرة استيطانية في حارة تفصلها عن المسجد الأقصى بضع دقائق من السير على الأقدام، وهو ما يدل على أن “التزكيات التي حصل عليها العطاري من أجهزة السلطة لم تكن في محلها إذًا” كما يقول أديب جودة.

قطعنا الشك باليقين فيمن سرب بيت آل جودة، وزاد من تأكيد المعطيات التي وصلنا إليها اختفاء العطاري عن الأنظار بعيد مقابلة بدا فيها متوترا وغير واثق مما يقول، فهناك بحسب فادي السلامين من أعاق الصفقة الأولى ومنع وصول الأموال التي حولها السلامين لشراء منزل عائلة جودة.

مدير المخابرات الفلسطينية رفض ماجد فرج التحدث إلينا، وكذلك فعل الناطق باسم أجهزة أمن السلطة عدنان الضميري رغم محاولاتنا المتكررة.

الطريق إلى التسريب
في عام 2000 وضعت إسرائيل إستراتيجية تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس إلى 12% بحلول عام 2020.

وتوفر سلطات الاحتلال الإسرائيلي أرضية ملائمة لتسريب المنازل عبر ترسانة من الإجراءات والقوانين، أبرزها قوانين “أملاك الغائبين”، و”تنظيم البناء”، و”الجيل الثالث” التي تستهدف كلها إنهاء الوجود الفلسطيني في القدس.

بلغ عدد البيوت المهدومة بحجة عدم الترخيص 1134 بيتا بين عامي 2001 و2014، بمعنى أنه يهدم 6.25 بيوت كل شهر، ويهدم بيتين كل عشرة أيام طوال عقد ونصف.

وبموازاة القوانين التي سنت للتضييق على المقدسيين تتراكم الأعباء الاقتصادية بسبب الضرائب الإسرائيلية والقروض البنكية التي يلجأ إليها المقدسيون لبناء المنازل ومواجهة مصاعب الحياة، في ظل وضع اقتصادي مترد تبلغ معدلات البطالة فيه نحو 14% من القوى العاملة.

وتمثل رواتب العمال في إسرائيل أكثر من 50% من دخل السكان.

وفي ظل استعصاء الحصول على تراخيص البناء من بلدية القدس يلجأ الأهالي إلى البناء بدون ترخيص، و”عندما تبدأ بلدية القدس إصدار أوامر هدم وتقديم المعنيين لمحاكمات وفرض غرامات مالية باهظة تصل إلى مئات آلاف الدولارات على كاهل المواطن المثقل أصلا بالديون والالتزامات المالية” -كما يقول المحامي خالد زبارقة- فإن المواطن المقدسي يجد نفسه مضطرا للبحث عن مشتر للعقار.

“بيت الأوزباشي” المعروف بين المقدسيين بأنه مقر لمدرسة الفتاة تراكمت عليه ديون الضرائب، ولم تجدِ محاولة وزارة التربية الفلسطينية لجدولة الديون، وتسرب المبنى في النهاية إلى المستوطنين.

استطاعت سلطات الاحتلال بسياسة النفس الطويل والإجراءات المتلاحقة الاستحواذ على مبان ذات رمزية تاريخية مثل مقرات بنوك، من بينها مقر البنك العربي، ومخفر الشرطة الأردنية بباب العامود، ومبنى البريد والهاتف المقابل لباب الساهرة.

وتنضاف إلى الأسباب التي يدبرها المحتل للاستيلاء على المنازل وضغوط الحياة على المقدسيين عوامل أخرى ضاغطة كما يشرح أديب جودة، وهو صاحب بيت مقدسي وصل في النهاية إلى المستوطنين “كبرت العائلة، وأصبح الورثة يريدون بيع حصصهم، وتعطل البيت، ولم يعد هناك مستفيد، لذلك قررنا بيعه”.

قانون الجيل الثالث

 في مطلع سبعينيات القرن الماضي تأسست منظمة “عطيرد كوهنيم” على أيدي مجموعة من الحاخامات اليهود، وهي تهدف إلى تهويد مدينة القدس عبر دعم الاستيطان بشراء المنازل والاستحواذ عليها بكل الطرق، تدعمها في ذلك حكومات إسرائيل ومنظومتها الأمنية.

وفي عام 1979 انشقت عنها منظمة العاد دون أن تحيد عن الأهداف الرئيسية للمنظمة الأم.

وتعد الجمعيتان من أكثر الجمعيات الاستيطانية العاملة على انتزاع تفوق ديمغرافي في مدينة القدس.

وتتركز جهود المنظمتين في منطقة باب الخليل التي توجد فيها قلعة القدس أو “قلعة داود” كما يسميها اليهود، وتؤمن ممرا آمنا للوصول من القدس الغربية إلى المسجد الأقصى وباحاته.

أقنعة عربية
“نحمّل المسؤولية لناس زي عبد الله صرصور اللي هو كان السبب الأساسي اللي خلى الناس تثق في الحاج فريد يحيى وجلبه إلى مدينة القدس، وعرفه على الأوقاف الإسلامية، وهذه عرفته على أبو عنان بيضون وفتحت له -عن غير وعي- المجال للتعرف على ناس من سلوان يمكن أن يبيعوا عقاراتهم”.

تشير هذه الإفادة من مدير مركز معلومات وادي حلوان جواد صيام إلى واحدة من أخطر أدوات تسريب منازل المقدسيين إلى الجمعيات الاستيطانية هي القناع العربي الذي تمثله شبكة من سماسرة العقارات يتولون الشراء من الأهالي بحجج مختلفة، ويتعهدون بعدم تسريب العقارات، لكن الحقائق ما تلبث أن تتكشف، فإذا هم مجرد محطة قصيرة يتوقف بها العقار في طريقه إلى بالوعة الاستيطان الناعم.

مدير صندوق الأراضي الإسرائيلية في بلدية القدس قال للجزيرة إن مشاريعهم لتهويد القدس وشراء المنازل تتخفى خلف أسماء عربية، رافضا إعطاء تفاصيل إضافية.

فريد الحاج يحيى وشمس الدين القواسمي وخالد العطاري نماذج ثلاثة تكشف الوثائق والشهادات، تورطهم في عمليات تسريب مباشرة لمنازل في البلدة القديمة وسلوان.

يتحرك الأربعة وغيرهم لإقناع الأهالي ببيع العقارات التي يواجه أصحابها صعوبات مالية أو يعرضونها للبيع لأي سبب من الأسباب، فيتقدمون لشرائها تحت غطاء النشاط التجاري الصرف أو العمل الخيري.

وتثبت الوثائق تورط العطاري في صفقة بيت آل جودة، وتقدم شهادات النشطاء والأهالي معلومات عن تسريب فريد الحاج يحيى 22 عقارا في بلدة سلوان، أما شمس الدين القواسمي فتلاحقه شبهة تسريب بيت آل الرجبي في البلدة القديمة.

“بيضون” و”الرجبي”.. أموال الإمارات
ليس سرا أن اثنين من أبرز من تلاحقهم تهم التسريب لهم صلة بدولة الإمارات العربية المتحدة، ففريد الحاج يحيى عمل في جمعية عجمان الخيرية، وكان ممثلا لها في القدس مدة من الزمن، ويصرح في أكثر من مقابلة مسجلة بأنه جلب أموالا إماراتية إلى القدس وساهم في مشاريع خيرية.

اتفاقية بيع بيضون وثيقة 6

ويوثق المحامي خالد زبارقة دور المال الإماراتي في تسريب أحد المنازل عام 2014 بالقول إن “الأموال تم تحويلها من الإمارات إلى بنك عربي في منطقة العيزرية تابع للسلطة الفلسطينية وتم سحب هذه الأموال، وتصل إحدى دفعاتها إلى نصف مليون دولار تم سحبها نقدا من فرع البنك”.

أبو عنان بيضون -وهو مواطن مقدسي- ينقل عن شمس الدين القواسمي المقرب من محمد دحلان قوله إنه يشتري العقارات للإمارات.

وعند السؤال عن ارتفاع الثمن المعروض الذي يساوي ثلاثة أضعاف القيمة الحقيقية للمنزل الواقع في منطقة غير تجارية، يجيب القواسمي “أنا أريد الشراء للإمارات (…)، يمكن أن يريدوه مشفى أو مدرسة” لكن العقار في النهاية يصل إلى المستوطنين.

وينضم الشيخ كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل إلى مؤكدي الدور الإماراتي في تسريب المنازل بالقول “لن أتردد في القول إنها الإمارات، قلتها وأؤكد اليوم وغدا أمام الله وأمام شعبنا أن رجال أعمال إماراتيين هم من يقفون خلف هذه الصفقات، وطبعا من يساعدهم على تمرير هذه الصفقات لا شك أنها عناصر فلسطينية ولن أتردد في القول إن هناك شخصيات فلسطينية نافذة في بعض مؤسسات السلطة”.

قصة بيت عائلة جودة التي مرت سابقا مجرد سيناريو مطور لقصص تسريب المنازل في سلوان والبلدة القديمة بمدينة القدس.. قصة بيت بيضون يرويها صاحب البيت نفسه أبو عنان بيضون.

استأجر فريد الحاج يحيى أحد طوابق المنزل بحجة استضافة حجاج من دول مثل ماليزيا وإندونيسيا “تفاديا -كما يقول- لتحولهم إلى فنادق إسرائيلية” وبدأ ربط العلاقات.

عمل يحيى مع مؤسستين إماراتيتين، إحداهما جمعية عجمان الخيرية، وكان يدير جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات، واعترف في مقابلة منشورة بأنه كان يشتري بيوتا مقدسية بأموال إماراتية.

وتتداول على نطاق واسع صورة لفريد مع السفير الإماراتي السابق في الأردن علي محمد الشامسي، وقد كان فريد “يستعرض صوره مع الأمراء الإماراتيين وهم يعانقونه” كما يفيد أبو عنان.

لا يجادل فريد في أنه اشترى بيوتا في القدس وسلوان، لكنه يجادل في عددها، فهو ينكر أن تكون 22 أو 23 بيتا، بل يقول إنها يمكن أن تصل إلى ثلاثة بيوت أو أربعة، كما ورد في مقابلته مع موقع “بانيت” المنشورة في أكتوبر/تشرين الأول 2014.

اتهم فريد بتسريب منازل إلى المستوطنين اليهود، وادعى أنه لا يبيع لمشتبه فيهم، إلا أن كل البيوت التي اشتراها آلت في النهاية إلى أيدي المستوطنين، منها 25 بيتا في بلدة سلوان آلت إليهم دفعة واحدة، حيث استولى عليها المستوطنون في 27 سبتمبر/أيلول 2014، ولا يصدق أبو عنان بيضون أن يكون ذلك بمحض الصدفة.

استعصى أبو عنان على محاولات فريد إقناعه ببيع البيت، فلجأ السمسار إلى الابن الذي باعه البيت بعقد موقع في 15 يوليو/تموز 2014 ولحق بالمنازل التي وقعت في يدي فريد سابقا وتحولت كلها إلى بؤر استيطانية تتسبب في أذى لجيرانها المقدسيين، لعل ذلك يرغمهم على مغادرة بيوتهم أو بيعها لسمسار ما تحت ضغط الضرائب وجار السوء.

بعد حادثة بيت بيضون وحوادث مماثلة اختفى فريد الحاج يحيى عن الأنظار إلى اليوم، خاصة بعد إهدار دمه من قبل سكان القدس، ويقول معارفه الذين حاولنا عن طريقهم الوصول إليه إنه يغير رقم هاتفه كل شهر تقريبا ولا يمكن الوصول إليه.

وكما اختفى فريد الحاج يحيى وخالد العطاري اختفى أيضا شمس الدين القواسمي وآخرون متهمون بتسريب منازل مقدسية إلى مستوطنين يهود.

منزل عائلة الرجبي في سلوان ضحية من ضحايا شمس الدين القواسمي دفع فيه ثلاثة أضعاف ثمنه بحجة أن الإماراتيين يريدون شراءه.

استأجر القواسمي بيتا من أبو عنان بيضون، لكن أحد المعارف في سلوان حذر بيضون من القواسمي حين علم برغبته في شراء بيت الرجبي، وأنه عرض ثمنا له أكثر من مئتي ألف دولار، في حين أن البيت لا يساوي ثلث هذا المبلغ.

واجه بيضون -كما يقول- القواسمي بخبر محاولته شراء بيت الرجبي فأنكر في البداية، لكنه عاد واعترف بأن الإماراتيين يريدون شراء البيت، وأنه لا يعرف هدفهم منه فطلب منه بيضون مغادرة بيته، لكنه جاءه بتزكية من محافظ القدس عدنان الحسيني تعرّف القواسمي بأنه كان “يعمل في الجبهة الشعبية، وله باع طويل مع رجال الإصلاح، ومعروف عندنا في هذا البلد”.

ولم تكن تزكية الحسيني للقواسمي في محلها مرة أخرى، لأن بيت الرجبي الذي اشتُري بمال إماراتي وبيد القواسمي تحول إلى بؤرة استيطانية ازدادت فيها مراتع المستوطنين ببلدة سلوان في مدينة القدس ابتداء من 20 أكتوبر/تشرين الأول 2014، وبدأت معه معاناة عائلات حي الحارة الوسطى بسلوان جراء زرع بؤرة استيطانية جديدة.

وتعتقد جمعيات استيطانية أن الحارة الوسطى تعود إلى “الإرث اليهودي بالمدينة”.

أين يذهب المسربون؟
“عدد من المسربين موجودون في الضفة الغربية، ولديهم استثمارات هناك، وفي أريحا يمتلكون عقارات، كل المسربين القادمين من منطقة وادي حلوة اشتروا عقارات في أريحا، وبعضهم يملكون استثمارات في كفر عقب.. إنهم يحسون بالأمان في رام الله أكثر من سلوان”.

اتفاقية بيع أديب جودة وثيقة 2

بهذه الكلمات يوضح مدير مركز معلومات وادي حلوان جواد صيام الوجهة التي يسلكها أغلب المسربين بعد احتراق أوراقهم في القدس بما قد يصل إلى إهدار الأهالي دماءهم.

وتواجه السلطة الفلسطينية تهم التواطؤ لبعض رموزها وأجهزتها بالنفي، حيث يقول المحافظ السابق للقدس عدنان الحسين إن المحافظة لم تمنح تزكيات إلى مشتبه فيهم، لكن الشخص قد يتغير بعد أن تمنح له التزكية ويتحول من تاجر أو سمسار عادي إلى “مسرب عقارات”.

وعند مواجهته بأن المسربين يبقون طلقاء بعد أن يثبت تورطهم في التسريب أو تحوم الشبه الواضحة حولهم، يرد الحسيني بأن هؤلاء يحملون “الجنسية الإسرائيلية أو البطاقة المقدسية” ولا سبيل لأجهزة السلطة عليهم، “فلو اعتقلوا واحدا منهم لحاصرت إسرائيل رام الله صبيحة اليوم التالي” بتعبير المحافظ السابق.

أما أستاذ العلوم السياسية جمال عمرو فيرى أن الضعف في تعامل السلطة مع الملف يعود إلى اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 الذي كبل أيدي السلطة فيما يتعلق بالقدس بإحالتها إلى مفاوضات الوضع النهائي مع أن “المفاوض الإسرائيلي كان يضمر عدم فتح ملف القدس أبدا”.

وذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الشرطة الإسرائيلية منعت نشر أسماء فلسطينيين متورطين في تسريب المنازل إلى المستوطنين.

لا نبيع للعرب
قادنا البحث في شبكة الإنترنت والاتصالات مع الشهود إلى عناوين شركات إسرائيلية تعرض منازل مقدسية للبيع تثني على مواصفاتها بأنها عربية.

وتتراوح أسعار المنازل المعروضة على مواقع الشركات بين مليون وعشرين مليون دولار.

وعند الاتصال بالمعلنين رفضوا إجابتنا قائلين إن هذه “المنازل لا تباع للعرب”.

سألناهم: ولمن هذه المنازل؟ فتهربت الموظفة قائلة “لن يخبرك أحد من يملك المنازل.. دائرة الأملاك والبلدية في إسرائيل تعرف، لكن لا أحد يمكن أن يعطيك معلومات سوى المالك أو المحامي الخاص به”.

لا نبيع لليهود
“كنت مشردا في خيمة أمام بيتي الذي هددني اليهود بأن يأخذوه، وجاءتني جمعية إماراتية مشهورة قالت لي: أن تبيع بيتك أحسن من أن يأخذه اليهود ويضيع فما قبلت” تلك كلمات رد بها ببراءة المواطن المقدسي عبد الله أبو ناب.

وصلت العروض إلى عشرين مليون دولار ثمنا للبيت فرفضها أبو ناب، وفضل الترحيل من بيته ومماطلة المحاكم الإسرائيلية ليبقى البيت مَظلمة تنتظر عدالة قد تأتي بها الأيام على أن يبيعه ليصل في النهاية إلى المستوطنين.

تكشف قصة هذا المواطن جانبا من الصمود الذي يواجه به المقدسيون عزّلا محاولة الاستيطان الإسرائيلي تغيير الواقع الديمغرافي في المدينة المقدسة دون يأس، “فما زالت هناك معنا مساحة يمكن العمل بها من أجل تثبيت العقارات الفلسطينية في بيت المقدس” كما يقول المحامي خالد زبارقة.

وعلى الرغم من جهود الجمعيات الاستيطانية في ترغيب المستوطنين بالسكن في المناطق المستولى عليها فإنهم ما زالوا يتقون صولة الأهالي.

ويقول مدير مركز معلومات سلوان جواد صيام بعد التسريب الكبير الذي تسبب فيه الحاج فريد يحيى في سلوان “كان يصعب عليهم أن يأتوا بتلك الكمية الكبيرة من المستوطنين دفعة واحدة فنشروا إعلانا في الصحف بتعويض كل مستوطن يقبل السكنى في تلك البيوت خمسمئة شيكل إسرائيلي بشرط أن يكون قادرا على حمل السلاح”.

دفاع المقدسيين عن مدينتهم لا يجد عنوانا داعما يأوي إليه، كما يقول كمال قويدر “فلا أحد للأقصى!!”.

—————–

المصدر : الجزيرة

کلمات مفتاحیة: ، ، ، ، ، ، ،