” الأخلاق والآداب الإسلامية :العلاقة مع المجتمع “الصدق والكذب

الصدق•
وهو مطابقة القول للواقع، وهو أشرف الفضائل النفسية، والمزايا الخلقية، لخصائصه الجليلة، وآثاره الهامة في حياة الفرد والمجتمع

فهو زينة الحديث ورواؤه، ورمز الاستقامة والصلاح، وسبب النجاح والنجاة، لذلك مجّدته الشريعة الاسلامية، وحرضت عليه، قرآناً وسنةّ

﴾قال تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين

﴾ وقال تعالى: ﴿هذا يومُ ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً

﴾    وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه، وكونوا مع الصادقين

:وهكذا كرَّم أهلُ البيت عليهم السلام هذا الخلق الرفيع، ودعوا إليه بأساليبهم البليغة الحكيمة

قال الصادق عليه السلام: “لا تغتروا بصلاتهم، ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش، ولكن إختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة”

“وقال النبي صلى اللّه عليه وآله: “زينة الحديث الصدق

“وقال أمير المؤمنين عليه السلام: “إلزموا الصدق فإنّه منجاة

“وقال الصادق عليه السلام: “من صدق لسانه زكى عمله

أي صار عمله ببركة الصدق زاكياً نامياً في الثواب، لأنّ اللّه تعالى “إنّما يقبل من المتقين” والصدق من أبرز خصائص التقوى وأهم شرائطه

مآثر الصدق
:من ضرورات الحياة الاجتماعية، ومقوماتها الأصلية هي

شيوع التفاهم والتآزر بين عناصر المجتمع وأفراده، ليستطيعوا بذلك النهوض بأعباء الحياة، وتحقيق غاياتها وأهدافها، ومن تم ليسعدوا بحياة كريمة هانئة، وتعايش سلمي

وتلك غايات سامية، لا تتحقق إلا بالتفاهم الصحيح، والتعاون الوثيق، وتبادل الثقة والائتمان بين أولئك الأفراد

وبديهي أنّ اللسان هو أداة التفاهم، ومنطلق المعاني والأفكار، والترجمان المفسر عمّا يدور في خلَد الناس من مختلف المفاهيم والغايات، فهو يلعب دوراً خطيراً في حياة المجتمع، وتجاوب مشاعره وأفكاره

وعلى صدقه أو كذبه ترتكز سعادة المجتمع أو شقاؤه، فإن كان اللسان صادق اللهجة، أميناً في ترجمة خوالج النفس وأغراضها، ادىّ رسالة التفاهم والتواثق، وكان رائد خير، ورسول محبة وسلام

وإن كان متصفاً بالخداع والتزوير، وخيانة الترجمة والاعراب، غدا رائد شر، ومدعاة تناكر وتباغض بين أفراد المجتمع، ومعول هَدمٍ في كيانه

من أجل ذلك كان الصدق من ضرورات المجتمع، وحاجاته الملحة، وكانت له آثاره وانعكاساته في حياة الناس

فهو نظام المجتمع السعيد، ورمز خلقه الرفيع، ودليل استقامة أفراده ونبلهم، والباعث القويّ على طيب السمعة، وحسن الثناء والتقدير، وكسب الثقة والائتمان من الناس

كما له آثاره ومعطياته في توفير الوقت الثمين، وكسب الراحة الجسمية والنفسية

فإذا صدق المتبايعون في مبايعاتهم، ارتاحوا جميعاً من عناء المماكسة، وضياع الوقت الثمين في نشدان الواقع، وتحري الصدق

وإذا تواطأ أرباب الأعمال والوظائف على التزام الصدق، كان ذلك ضماناً لصيانة حقوق الناس، واستتباب أمنهم ورخائهم

وإذا تحلى كافة الناس بالصدق، ودرجوا عليه، أحرزوا منافعه الجمّة، ومغانمه الجليلة. وإذا شاع الكذب في المجتمع، وهت قيمُه الأخلاقية، وساد التبرم والسخط بين أفراده، وعزَّ فيه التفاهم والتعاون، وغدا عرضة للتبعثر والانهيار

أقسام الصدق
:للصدق صور وأقسام تتجلى في الأقوال والأفعال، واليك أبرزها

الصدق في الأقوال: وهو الإخبار عن الشيء على حقيقته من غير تزوير وتمويه

الصدق في الأفعال: وهو مطابقة القول للفعل، كالبر بالقسم، والوفاء بالعهد والوعد

الصدق في العزم: وهوالتصميم على أفعال الخير، فإن أنجزها كان صادق العزم، وإلا كان كاذبه

الصدق في النيّة: وهو تطهيرها من شوائب الرياء، والاخلاص بها الى اللّه تعالى وحده

الكذب•
وهو: مخالفة القول للواقع. وهو من أبشع العيوب والجرائم، ومصدر الآثام والشرور، وداعية الفضيحة والسقوط. لذلك حرمته الشريعة الإسلامية، ونعت على المتصفين به، وتوعّدتهم في الكتاب والسنة

(قال تعالى: ﴿إنّ اللّه لايهدي من هو مسرف كذّاب

(وقال تعالى: ﴿ويل لكل أفاك أثيم

(وقال تعالى: ﴿إنما يفتري الكَذِبَ الذين لا يؤمنون بآيات اللّه، وأولئك هم الكاذبون

وقال الباقر عليه السلام: “إنَّ اللّه جعل للشر أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شرّ من الشراب”5.وقال عليه السلام: “كان علي بن الحسين يقول لولده: إتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جدّ وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير، إجترأ على الكبير، أما علمتم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه اللّه صديّقاً، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه اللّه كذّاباً”6.وقال الباقر عليه السلام: “إنّ الكذب هو خراب الايمان

“وقال أمير المؤمنين عليه السلام: “إعتياد الكذب يورث الفقر

“وقال عيسى بن مريم عليه السلام: “من كثر كذبه ذهب بهاؤه

.وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في حجة الوداع: “قد كثرت عليَّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليَّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على  كتاب اللّه وسنتي، فما وافق كتاب اللّه فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به

:مساوئ الكذب

وإنما حرمت الشريعة الاسلامية (الكذب) وأنذرت عليه بالهوان والعقاب، لما ينطوي عليه من أضرار خطيرة، ومساوئ جمّة، فهو

باعث على سوء السمعة، وسقوط الكرامة، وانعدام الوثاقة، فلا يُصدق الكذاب وإن نطق بالصدق، ولا تقبل شهادته، ولا يوثق بمواعيده وعهوده

ومن خصائصه أنّه ينسى أكاذيبه ويختلق ما يخالفها، وربما لفق الأكاذيب العديدة المتناقضة، دعماً لكذبة افتراها، فتغدو أحاديثه هذراً مقيتاً، ولغواً فاضحاً

إنه يضعف ثقة الناس بعضهم ببعض، ويشيع فيهم أحاسيس التوجس والتناكر

إنه باعث على تضييع الوقت والجهد الثمينين، لتمييز الواقع من المزيف، والصدق من الكذب.

وله فوق ذلك آثار روحية سيئة، ومغبة خطيرة، نوهت عنها النصوص السالفة.

دواعي الكذب
:الكذب انحراف خلقي له أسبابه ودواعيه، أهمها

1- العادة: فقد يعتاد المرء على ممارسة الكذب بدافع الجهل، أو التأثر بالمحيط المتخلف، أو لضعف الوازع الديني، فيشبّ على هذه العادة السيئة، وتمتد جذورها في نفسه، لذلك قال بعض الحكماء: “من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه”.

2- الطمع: وهو من أقوى الدوافع على الكذب والتزوير، تحقيقاً لأطماع الكذّاب، وإشباعاً لنهمه.

3- العداء والحسد: فطالما سوّلا لأربابهما تلفيق التهم، وتزويق الافتراءات والأكاذيب، على من يعادونه أو يحسدونه. وقد عانى الصلحاء والنبلاء الذين يترفعون عن الخوض في الباطل، ومقابلة الاساءة بمثلها كثيراً من مآسي التهم والافتراءات والأراجيف.

انواع الكذب
للكذب صور شوهاء، تتفاوت بشاعتها باختلاف أضرارها وآثارها السيئة، وهي:

(الاولى – اليمين الكاذبة)

وهي من أبشع صور الكذب، وأشدّها خطراً وإثماً، فإنّها جناية مزدوجة: جرأة صارخة على المولى عز وجل بالحلف به كذباً وبهتاناً، وجريمة نكراء تمحق الحقوق وتهدر الكرامات.

من أجل ذلك جاءت النصوص في ذمها والتحذير منها:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: “إيّاكم واليمين الفاجرة، فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع”11.

وقال الصادق عليه السلام: “اليمين الكاذبة، تورث العقب الفقر”12.

(الثانية – شهادة الزور)

وهي كسابقتها جريمة خطيرة ، وظلم سافر هدّام، تبعث على غمط الحقوق، واستلاب الأموال، وإشاعة الفوضى في المجتمع، بمساندة المجرمين على جرائم التدليس والابتزاز.

أنظر كيف تنذر النصوص شهود الزور بالعقاب الأليم:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: “لا ينقضي كلام شاهد الزور من بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار، وكذلك من كتم الشهادة”13.

ونهى القرآن الكريم عنها فقال تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾(الحج:30).

اضرار اليمين الكاذبة وشهادة الزور

وإنما حرمت الشريعة الاسلامية اليمين الكاذبة، وشهادة الزور، وتوعدت عليهما بصنوف الوعيد والارهاب، لآثارهما السيئة، وأضرارهما الماحقة، في دين الانسان ودنياه، من ذلك:

1- أن مقترف اليمين الكاذبة، وشهادة الزور، يسيء الى نفسه إساءة كبرى بتعريضها الى سخط اللّه تعالى، وعقوباته التي صورتها النصوص السالفة.

2- ويسيء كذلك الى من سانده ومالأه، بالحلف كذباً، والشهادة زوراً ، حيث شجّعه على بخس حقوق الناس، وابتزاز أموالهم، وهدر كراماتهم.

3- و يسيء كذلك الى من اختلق عليه اليمين والشهادة المزورتين، بخذلانه وإضاعة حقوقه، وإسقاط معنوياته.

4- ويسيء الى المجتمع عامة بإشاعة الفوضى والفساد فيه، وتحطيم قيمه الدينية والأخلاقية.

5- ويسيء الى الشريعة الاسلامية بتحدّيها، ومخالفة دستورها المقدس، الذي يجب اتباعه وتطبيقه على كل مسلم.

(الثالثة – خلف الوعد)

الوفاء بالوعد من الخلال الكريمة التي يزدان بها العقلاء، ويتحلى بها النبلاء، وقد نوّه اللّه عنها في كتابه الكريم فقال: ﴿واذكر في الكتاب اسماعل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً﴾(مريم:54)

ذلك أنّ إسماعيل عليه السلام وعد رجلاً، فمكث في انتظاره سنة كاملة، في مكان لا يبارحه، وفاءاً بوعده.

وإنه لمن المؤسف أن يشيع خلف الوعد بين المسلمين اليوم، متجاهلين نتائجه السيئة في إضعاف الثقة المتبادلة بينهم، وإفساد العلاقات الاجتماعية، والاضرار بالمصالح العامة.

قال الصادق عليه السلام: “عِدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف اللّه تعالى بدأ، ولمقته تعرض، وذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون”14.

قال عليه السلام: “إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وعد رجلاً الى صخرة فقال: أنا لك هاهنا حتى تأتي. قال: فاشتدت الشمس عليه، فقال أصحابه: يا رسول اللّه لو أنّك تحولت الى الظل. فقال: قد وعدته الى هاهنا، وإن لم يجئ كان منه الى المحشر”15.

(الرابعة – الكذب الساخر)

فقد يستحلي البعض تلفيق الأكاذيب الساخرة، للتندّر على الناس، والسخرية بهم، وهو لهو عابث خطير، ينتج الأحقاد والآثام.

قال الصادق عليه السلام، “من روى على مؤمن رواية، يريد بها شينه، وهدم مروتّه ليسقط من أعين الناس، أخرجه اللّه تعالى من ولايته الى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان”16.

علاج الكذب
فجدير بالعاقل أن يعالج نفسه من هذا المرض الأخلاقي الخطير، والخُلُق الذميم، مستهدياً بالنصائح التالية:

1- أن يتدبر ما أسلفناه من مساوئ الكذب، وسوء آثاره المادية والأدبية على الانسان.

2- أن يستعرض فضائل الصدق ومآثره الجليلة، التي نوّهنا عنها في بحث الصدق.

3- أن يرتاض على التزام الصدق، ومجانبة الكذب، والدأب المتواصل على ممارسة هذه الرياضة النفسية، حتى يبرأ من هذا الخلق الماحق الذميم.

مسوغات الكذب
لا شك أنّ الكذب رذيلة مقيتة حرمها الشرع، لمساوئها الجمة، بيد أنّ هناك ظروفاً طارئة تبيح الكذب وتسوغه، وذلك فيما إذا توقفت عليه مصلحة هامة، لا تتحقق إلا به، فقد أجازته الشريعة الاسلامية حينذاك، كانقاذ المسلم، وتخليصه من القتل أو الأسر، أو صيانة عرضه وكرامته، أو حفظ ماله المحترم، فانّ الكذب والحالة هذه واجب اسلامي محتم.

وهكذا إذا كان الكذب وسيلة لتحقيق غاية راجحة، وهدف إصلاحي، فإنه آنذاك راجح أو مباح، كالاصلاح بين الناس، أو استرضاء الزوجة واستمالتها، أو مخادعة الأعداء في الحروب.

وقد صرحت النصوص بتسويغ الكذب للأغراض السالفة.

قال الصادق عليه السلام: “كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلا في ثلاثة: رجل كايد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى هذا يريد بذلك الاصلاح فيما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئاً وهو لا يريد أن يتم لهم”17.

کلمات مفتاحیة: ، ، ،