خديجة بنت خويلد

کلمات مفتاحیة:

فوزي آل سيف

خديجة بنت خويلد

الصديقة  الكاملة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

 

أكرم الله الإنسان بالإسلام، وجعله محلا لخطابه عز وجل وعهد إليه أعظم مهمة يعهدها لمخلوق فشرفه بمعرفته ثم العبادة وجعل هدف خلقته مقصورا عليها فقال {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، وكلفه بعد ذلك بعمارة الأرض وإصلاحها([1])، بعد أن سخرها له([2]) وخلق ما فيها من أجله([3]) ليربح فيها.

كل ذلك جعل الإنسان محل كرامة الله وتفضيله على من عداه من خلقه([4])، فصار آدم أصل البشر قبلة سجود الملائكة..

ذلك التكريم لم يكن خاصا بصنف معين من نوع الإنسان وإنما كان لصنفيه: ذكره وأنثاه، بشرط الالتزام بالسعي نحو الهدف الذي خلق له هذا الإنسان والعمل الصالح للوصول إليه، ذلك أنه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}([5]).

المشكلة التي حدثت هي الفهم الخاطئ لطبيعة الرسالة السماوية، ذلك الفهم الخاطئ الذي عطل فكر الرسالة عن الفاعلية في المجتمع وعن تحريك المنتمين إليها، بل سبب في حالات كثيرة الانفضاض عن تعاليمها وآفاقها الرحبة.

من حصيلة ذلك الفهم الخاطئ وأحيانا عدم الفهم أننا وجدنا من يعيد تدوير ثقافة ما قبل الرسالة، لتعود في لباس ديني بزعمه فإذا كانت الرسالة السماوية تدعو إلى التحرير وجدنا من يدعو إلى العبودية ويلبس تلك الأفكار الجاهلية لَبوس الإسلام، وإذا كانت تدعو إلى المسؤولية والاختيار وجدنا مع يدعو إلى التواكل والجبرية وكل ذاك باسم الدين وآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله، بل وصل الأمر إلى أن تعاد العقائد الجاهلية في موضوع الإيمان بالله في صورة ( إسلامية).

ومن الفهم الخاطئ بل المعكوس ما يرتبط بالمرأة، فإن قسما من الناس في زمان نزول الوحي بل وحتى في الوقت الحاضر لم يكونوا قادرين على فهم البصائر الجديدة التي جاء بها القرآن أو مع فهمها لم يكونوا مستعدين لقبولها نفسيا، فكيف يكون الشخص الذي يقاتل ويمنع الحريم، وينفع ويضر مساويا في المنزلة لمن {يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ

ولا يزال إلى اليوم هذا (الشعور الجاهلي) يربك قسما غير قليل من المسلمين، وإن كانوا حضريي النشأة.. لا تزال المرأة عندهم (مشكلة) دائمة، و(مصنعاً للعار). لا يزال الحديث عنها بعبارة (حاشاك، أعزك الله، الأهل وأنت بكرامة!!). وهذه الثقافة والحالة النفسية لن تعدم بعض النصوص التي تؤخذ مجتزأة، ومجردة من ظروفها السياسية والاجتماعية، وأحيانا الزمنية لكي تكون هي القاعدة والقانون العام..

أما حديث الآيات التي تتكلم عنهما بصيغة واحدة، وتبين فضل صاحب الفضل بغض النظر عن الجنس فدعك عنها إذ ليست سوى مجاملات!!

لا يزال هؤلاء يعيشون المشكلة فلا هم باقون ضمن الحالة الجاهلية رسميا، ولا هم قادرون على الانسجام مع ما يريده الإسلام، فتراهم في كثير من الأحيان أكثر (غيرة) من الله على الحرمات، وأكثر (حرصاً) من التشريع على صيانة الأخلاق!! فالاحتياط عندهم هو الأصل، وهو نظام الحياة مع أنه بهذه السعة التي يتصورونها معيق للحياة الإنسانية.

في المقابل نحن نجد أن الإسلام قد أعز المرأة باعتبارها أحد أفراد النوع الإنساني الذي قد فضله الله وأكرمه بمقدار طاعته والتزامه، وأكرمها بالخصوص فهي تارة (حسنة) يثاب عليها والدها، وأخرى >ريحانة أشمها ورزقها على الله< و>ليست بقهرمانة< للخدمة أو الأعمال الشاقة، بل كان >من أخلاق الأنبياء حب النساء<([6])، و>كلما ازداد العبد إيماناً ازداد حبَّا للنساء<([7]).

نعم حين يراد تجاوز هذا الحد من التشريف والمسؤولية فيطلب ما هو أكثر يكون في غير محله، وحين يوكل إليهن ما ليس لهن، وما لا ينبغي منهن ينقلب الأمر على رأسه تماما كما هو في كل مورد.

مما بينه الإسلام فيما يرتبط بدور المرأة في مجتمعها أمور كثيرة، ولكن نقتصر في هذه المقدمة على بعضها، ولعل في الاستعراض الآتي لحياة المؤمنات ما سيوضح المزيد:

1- تعليم المرأة: التعلم والمعرفة بداية الحركة الصحيحة في الحياة، وما جاء دين بما جاء به الإسلام من حث على ذلك، وهذا ظاهر فـ>فما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة< كما يقول أمير المؤمنين u . وفي هذه الجهة لا يختلف أمر المرأة عن الرجل، بل ربما كان بالنسبة إلى المرأة تبعا لما تمثله من موقع تربوي للأولاد، وتأثير مهم في صيانة البيت الزوجي أكثر أهمية.

إن عمومات لزوم التعلم والمعرفة شاملة للمرأة بنفس مقدار شمولها للرجل إلا ما خرج بالدليل فيما يرتبط بتعلم الشؤون الدينية وما يتصل بإدارة حياتها الشخصية والزوجية، من أحكام ومعارف.. فلا أحد يتوهم أنه ليس على المرأة أن تتعلم أحكام عباداتها بالمقدار الواجب. كما لا يقبل قول أحد في أنه لا ينبغي لها التعلم لغير الأحكام بما يكفل لها حياة أفضل، ويعطيها تجربة أحسن في إدارة بيتها وعلاقاتها الاجتماعية.

2- عمل المرأة: بالرغم من أن الإسلام قد أوكل إلى المرأة أعظم دور في الوجود وهو تنشئة الإنسان، وصياغة شخصيته، وعجينة نفسه في وقت مبكر حيث ينطبع فيها كل شيء، ومن هناك تتقرر الصحة النفسية والمرض، والعقد الداخلية، بل تتكون الجرائم وتغرس في تلك الأيام والسنوات، وتنتج بعد عشرات السنين.

هذا الأمر الذي لا ينتبه له في عالم اليوم، فهم ينشئون المصحات العقلية، والمراكز النفسية وغير ذلك، ولا يستطيعون أن يصلوا إلى نتيجة طيبة، فإن الغرس إذا كان شوكا فلا ينفع فيه التقليم في ما بعد. فضلا عن تغييره.

أعني بما سبق تربية أطفالها حين تصبح ذات أطفال، وإدارة بيتها الزوجي بنحو طيب.

مع ذلك فقد أعطى الإسلام للمرأة مجالا للعمل في بناء مجتمعها، وحده بحدود لا تنتهي بها إلى إلغاء خصوصيتها، ولا تسيء إلى كرامتها وشرفها الإنساني، والتزامها الديني.

العالم المعاصر والحصاد المر

تماماً كما هو السراب، ينظر إليه العاطش من بعيد، فيرى فيه الماء الرقراق الذي يتغلغل في كل خلية من خلاياه فيكسبها قوة وارتواء، ويعطيه نشاطا وحياة بعدما كان ينتهي إلى التجفاف والموت، {حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} وعجيب تعبير القرآن، وكم فيه من أعاجيب، فهو لا يقول أنه وجده شيئا غير مفيد، بل ليس بشيء أصلا. هكذا هو مثال القيم الغربية والحياة والنمط الثقافي الذي يدعو إليه المتغربون مجتمعنا الإسلامي.

أو كقوس قزح فيه من الألوان المتراقصة والجميلة ما يخلب الألباب ويشد الأنظار، ويصنع البهجة والإعجاب، حتى إذا غير الناظر زاوية النظر، أو تغير الوقت، وتبدلت جهة انكسار الضوء الشمسي الكاشف، وإذا به ينتهي و{لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}.

الناظرون إلى الحضارة والإنجاز الغربي وهو عظيم حقا في مستوى الآلة والتنظيم الظاهري وبائس ومريض إلى النخاع في مستوى القيم والنظام الأخلاقي عادة ما ينبهرون بالسراب ويتصورونه غدير ماء بارد في صحراء الكون الحارقة، لكنهم بعد التأمل وأحياناً بعد التخبط لا يرون شيئاً.

لقد وصل الإنسان الغربي بما أتاحه الله له من إمكانات عقلية سيطر فيها على خامات الطبيعة إلى مدارج من الكمال الظاهري والتقني لم تكن لتخطر على بال أحد، ويتعب المرء لو أراد أن يتابع ما ينتج كل سنة فضلا عن الأيام.. ولا يستغرب أن يأتي يوم يستطيع فيه العالم أن يجري كل شؤونه من خلال الأزرار. لكنه بقي في النظام الأخلاقي بائسا، فدمر نفسه، وأصبحت خطورته أكثر من السابق، فإذا كان المجرم في السابق يستطيع أن يدمر العشرات، فإن تدميره اليوم يعد بعشرات الألوف، وإذا كان المفسد في السابق يستطيع أن يلوث قرية أو مدينة، فإنه اليوم يستطيع أن يقضي على الأخلاق في بلاد بأكملها.. وهكذا >يداك أوكتا وفوك نفخ<.. لو أردنا أن نتتبع {الْفَسَاد فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} والناتج {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} لطال المقام، لكننا نورد نماذج بما يتصل بوضع الأسرة والمرأة مما هو مرتبط بموضوع الكتاب هذا.. وسوف يتبين لك عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، كيف أن العبودية التي عاشتها المرأة في الزمن القديم، والجاهلية التي تمرغت فيها هي بالنسبة إلى ما تعانيه المرأة اليوم في عصر الانحطاط الأخلاقي ستكون جنة الرفاه.

 كيف سُحقت الأسرة؟

لا يختلف اثنان في أن قوة المجتمع تابعة لقوة النظام الأسري فيه، ولذا كانت الديانات السماوية وحتى المفكرون الإصلاحيون يصرون على إيجاد أفضل القوانين التي تكفل للمجتمع وجود أسرة صالحة متماسكة والتي بدورها تعيد إنتاج الصلاح والقوة.

النمط الذي يسود اليوم في العالم الغربي، والذي تبشر به قيم الثقافة الغربية أو تنتهي إليه هو ما تكشف عنه الإحصاءات التي ستقرؤها بعد قليل. إننا عندما نتحدث عن هذه النتائج فلا ندين النهاية، ولا نتحدث عن آخر المشوار وإنما نحذر من أن يسلك المجتمع الإسلامي طريقاً هو الذي انتهى بتلك المجتمعات إلى تلك النهايات.

إن الثقافة، ونمط القيم الذي يحكم مجتمعا هو الذي ينتهي به إلى بر الأمان أو إلى الكارثة ويخطئ من يظن أن المشكلة كلها في الحجاب أو السفور، في هذا المظهر أو ذاك، المشكلة كل المشكلة هي في النموذج.. هي في المثال والقدوة.

! ! ! !

في البداية صار أمر العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج أمرا طبيعياً بينما كان قبل ذلك وفي جميع المجتمعات ينظر إلى فاعله على أنه زان، ومخالف للنظام الاجتماعي العام، وربما كان البعض يتستر في البداية، لكن فيما بعد أصبح الأمر طبيعياً بحيث لا مانع عند الطرفين بل حتى المجتمع أن يعيشا تحت سقف واحد وينجبا ولا يزالان غير زوجين!..

ونتيجة لذلك عاد أمر الزنا والسفاح شيئا عاما وغير مستنكر، وصارت الولادات غير الشرعية شيئا كبيرا جدا. ماذا يبقى من الأسرة، بعدما أصبح الإشباع الجنسي خارج نطاقها أكثر إمتاعا وأقل تكلفة ومسؤولية؟ وصار بإمكان الشخص أن يأتي بطفل ساعة يشاء ويتركه حينما يريد؟ وأصبحت المرأة تستطيع أن تتعايش مع هذا الشخص على أسس خاصة فمتى ما رغبت في غيره تركته لغيره وأحيانا مع حضوره! ولا يستطيع الاعتراض!([8])

وكان نتيجة ذلك أن انتشر وباء الطلاق طاحناً العوائل والأسر وملقياً بالأولاد في أحضان الجريمة والفساد.

! ! ! !

وهنا يأتي دور النموذج وأهمية المثال..

المثال الذي صنعوه لنسائنا وبناتنا من خلال الأجهزة الإعلامية والقائم على أساس أن قيمة المرأة بجسدها، وجمالها وثيابها، وأن سعادتها هي في أن تكون في الاحتفالات والأضواء، وأن تنتمي إلى المجتمع المخملي، حتى ظنت بعض النساء أن من هم في الخارج ليسوا سوى هذه الصور الملونة والجميلة، وأن عليها أن تسعى (للسمو!!) إلى ذلك المستوى. مثال الممثلات و(الفنانات) و(بطلات) الأفلام.. هذا مثال باطل وتافه. فهو إضافة إلى أنه لا يعكس الحقيقة حتى في حدود ما ينقل عنهن، فضلا أن يكن معبرات عن وضع المرأة عموما في مجتمعهن.. هذه الانتحارات التي تنقل بين فترة وأخرى والانهيارات التي تصاب بها الكثير منهن، تكشف عن المشكل الحقيقي الذي تعيشه هذه النسوة.. وصلن إلى المال وإلى الأضواء، وإلى الشهوات ولكن لم يصلن إلى السعادة.

صرفن من الأموال الشيء الكثير على الجسد، وأصبحت مقاييسه بالسنتمتر والغرام ومع ذلك لا يزلن يفقدن الرضا فضلاً عن الإحساس بالسعادة.

نحن نحتاج إلى إبراز النماذج الأكمل التي عاشت حياتها الدنيوية بسعادة، وهي في الآخرة إلى خير عظيم.

وهذه الصفحات  ـ عزيزي القارئ ـ هي إطلالة سريعة على حياة رائدة من النساء وصفت بأنها الكاملة ، وهي التي سبقت غيرها بالإيمان ، والتصديق ، والعطاء والبذل في وقت كفر فيه الناس ، وكذبوا ، وبخلوا .. فكان أن أعطاها الله ما أعطاها .. تلك هي السيدة الصديقة خديجة بنت خويلد سلام الله عليها .

وسيكون القسم الأول منه سيرة حياة مختصرة ، بينما يتناول القسم الثاني إجابة على  بعض الأسئلة المرتبطة بحياتها الشريفة .

! ! ! !

خديجة بنت خويلد عليها السلام

توفيت بعد البعثة بعشر سنوات وعمرها 65 سنة.

! ! ! !

{لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[9].

.

! ! ! !

>ما أبدلني الله خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولها إذ حرمني أولاد النساء<[10].

! ! ! !

في حياة الرسالات والدعوات الدينية نلاحظ ثلاثة أنماط للمؤمنين بها:

القسم الأول: هو بمثابة القواعد التي تحفر تحت الأرض، ويستحكم بها البناء، وهذه مهما زادت عمقاً وتجذراً في داخل الأرض، زاد البناء استحكاماً وقوة.

القسم الثاني: بمثابة الأعمدة التي ترتفع معتمدة على القواعد، وترفع من فوقها السقوف، وهي التي تكون البناء وتعطيه صورته الحقيقية، وعليها يكون استثمار البناء والاستفادة منه.

القسم الثالث: بمثابة الأصباغ والألوان، وهذه لا تأثير أساسي لها في أصل البناء ولا في استحكامه، وإنما تعطي للبناء صبغا ولونا خارجيا فقط وتعلن عن نفسها وعن البناء.

ومشكلة الناس أنهم يخلطون بين الثلاثة، فيساوون الأول بالأخير أو الثاني بالأخير، بينما {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا}([11]) البارزون في الزحام، والمتهالكون على الأسماء، والألوان، والذين لهم في كل عرس قرص، وفي كل موقف عملي لهم كلام كثير..

خديجة المباركة([12]) كانت من أجلى مصاديق القسم الأول، فهي بمقدار ما عملت وما أدراك ما عملت لم تكشف عن تلك الأعمال غطاء السر، ولم تتحدث عن نفسها ولا عن حب رسول الله  لها كما فعلت غيرها.

خمسة وعشرون عاماً حافلة بالأحداث ومليئة بالقضايا، منها عشرة أعوام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله ، وخديجة معه في كل مواقفه، تؤيده وتدعمه، وتعطيه صفوة مالها.. كم كان هذا المال مباركا به ينعش الله فقراء المسلمين في ذلك الوقت الذي كان بعضهم لا يجد قوت وجبته، وبه يحرر العبيد المؤمنون الذين كانوا عرضة للهلاك تحت أيدي جلاديهم، ولم ينقل التاريخ لنا أن خديجة قد تكلمت يوما عن هذا الأمر، بينما نقل عن بعض المسلمين من (أهل الألوان والأصباغ) أنهم كانوا إذا فعلوا خيرا علقوه على رقابهم ومشوا به بين الناس وربما منّوا على من فعلوا لهم ذلك الخير!!

ولهذا لم يكن غريبا أن تبقى ذكرى خديجة في قلب النبي صلى الله عليه وآله ، وذكر خديجة على لسانه، إلى ما بعد الهجرة أي بعد وفاتها بأكثر من خمسة عشر عاما مع وجود عدد غير قليل من النساء معه ، ولكنه قد رُزق حب خديجة. كما قال صلوات الله عليه .

خديجة الطاهرة :

الالتزام في المجتمع الطيب شيء ليس بالعسير، والفضيلة في محيط طاهر أمر قد يستطيعه الكثير، لكن الالتزام الديني في مجتمع الانحراف، والتمسك بالطهر في مجتمع الجاهلية أمر صعب، وفاعل ذلك ينبغي تقديره باعتبار أنه يسير نحو القمة مع أن الموج يخالف اتجاهه، ويقاوم مسيرته الصاعدة. وخديجة بنت خويلد سلام الله عليها كانت من هذا النوع، فالمجتمع الذي عاشت فيه كان محيطا موبوءا بالمعصية والانحراف، وكان أمر البغاء والزنا شيئاً لا يتورع عنه كبار القوم في قريش فما ظنك بصغارهم، وكانت ذوات الرايات جزءا من النسيج الاجتماعي المألوف، لكن المعدن الطيب لهذه المرأة الصالحة ورجحان عقلها >إذ إنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع …. وخديجة كما هو مفاد حديث[13] لرسول الله  صلى الله عليه وآله< جعلها تسلك طريق الكمال والفضيلة والطهر حتى لقد لقبت في أيام الجاهلية، وقبل مجيء الإسلام بالطاهرة.

وفي هذا الطريق الطيب نراها عليها السلام تبحث عن طاهر تعيش معه، وكان قد ملأ إهابها إعجابا ما تسمعه عن محمد بن عبد الله، هذا الشاب المتميز في المجتمع المكي، والذي لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد، في كمال خلقه وفي مفارقته للجو العام الجاهلي السائد في المجتمع المكي، وبدأت تفكر في كيفية مناسبة للتقرب منه، وهذا ما يشير إلى كمال عقلها فإنها لو استسلمت للجو العام لما عدت أصحاب المال المعدمين أخلاقا، وأصحاب الجاه الاجتماعي ورؤساء القبائل، ولكنها نظرت بعيدا، وكذلك أيضا لم تترك العادات والمألوف هي التي تقرر مصير مستقبلها، فإنا نلاحظ أن قسماً من الناس يفكرون بنحو جيد، ولكن تقيدهم العادات، وتحاصرهم التقاليد، فتسوقهم إلى اتخاذ قرارات على غير قناعاتهم، مثل أن المرأة ينبغي في موضوع الزواج أن تكون منفعلة، ومنتظرة فإن جاء رزقها كما تحب وإلا فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً إلا أن هذه المرأة النموذجية بدأت تفكر في كيفية مناسبة للقرب من محمد، لا سيما وهي تسمع كلاما هنا وهناك أن رسولاً سيبعث في أم القرى، وإذا قُدر ذلك في زمانها فمن سيكون أولى بهذه المنزلة من محمد؟

في الطرف الآخر كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، قد بلغ من السن ما يقتضي منه الاستقلال والاعتماد على نفسه بل مساعدة عمه وكافله أبي طالب، وكان أن التقت الرغبتان فخرج محمد في أموال خديجة مضاربا بها  إلى الشام.

وعاد محمد من سفرته التجارية.. عاد وقد ملأ نفس ميسرة غلام خديجة إعجابا، وأترع قلبه حبا، ورأى معه من العجائب ما ينبغي أن يكون حديث المتكلمين والسُّمار.. فالملكان اللذان يظلانه عن الشمس وصفقة يمينه التي تباري السحاب في بركتها، وأمانته في المعاملة وصدقه فيها، يبطل كل ما قالوه من أن السوق تحتاج إلى أسلوب خاص يعتمد على (الشطارة) والكثير من الكذب، وخداع المشتري واستغفاله، وأن الذي يريد أن يأتي إلى التجارة بمنطق المتقين، وطريقة الأخلاقيين فلن يحصد غير الخيبة..

ها هو محمد.. صدقه في حديثه لا يفارقه، وأمانته في المعاملة لا تخلو منه لحظة، ومع ذلك فقد ربح وربح، ما لو حصل غيره عليه لطار فرحا، وهام على الثريا اختيالاً.. لله دره أي سر فيه هذا الرجل؟

برقت عيناها بسرور الغبطة، وهي تسمع حديث ميسرة ورأت أنها لم تذهب بعيداً، بل وافقت حسابات الحقل البيدر.. زادت له حبا، وبه تعلقا وبدأت تفكر كيف يواتيها سعد حظها في الاقتران به، وكان أن أسرت في ذلك لبعض نسائها، ثم أرسلت إلى محمد صلى الله عليه وآله : >يا بن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك<.. ولعمري إن هذه الكلمات بقدر ما تعرب عن كمال عقل هذه المرأة الطاهرة لتصلح أن تكون برنامجا تتبعه كل امرأة تريد الزواج والشراكة الحياتية.. فهي قد فصلت ما ينبغي أن تبحث عنه امرأة عاقلة لبيبة، تهافت عليها الرجال الأثرياء وزعماء البلد وقد كانت عندهم الطاهرة وأجمل نساء قريش وأثرى الجميع وردتهم بينما سعت هي بنفسها لكي تتزوج من رجل لا مال كثير له.

استجاب النبي  وإن كان الزواج قبل البعثة وتقدم مع عمه أبي طالب u  وصحبهم حمزة بن عبد المطلب وعدد من بني هاشم، وخطب أبو طالب لابن أخيه خديجة، متقدما بهذه الكلمات الرائعة التي تنبئ عن استشرافه لمستقبل النبي ودينه الذي سيظهر على الأديان، فمن جملة ما قال:

الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وأنزلنا حرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه.

ثم إن ابن أخي هذا ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به؛ ولا يقاس به رجل إلاّ عظم عنه ولا عدل له في الخلق وإن كان مقلاً في المال فان المال رفد جار وظل زائل وله في خديجة رغبة وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها والمهر على في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله.. وله ورب هذا البيت حظ عظيم ودين شائع ورأي كامل([14]).

وقام عمها لكي يخطب مجيبا بالقبول، فأخذه البهر والموقف فلم يستطع أن يبلغ حاجته، فقامت خديجة وقبلت لنفسها([15])، بل وضمنت المهر في مالها أيضا.. فقال بعض من حضر: يا عجبا المهر على النساء للرجال؟ فرد أبو طالب عليه: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر وإذا كان أمثالكم لم يزوجوكم إلا بالمهر الغالي.

انتقلت خديجة إلى بيت النبي ، وعاشت معه خمسة عشر سنة قبل البعثة وهي ترى كل يوم عجباً من عجائبه ينبئها عن المستقبل العظيم الذي تنتظره البشرية من بركته وعمله. وكانت صلوات الله عليها تتحرى مواضع رضاه فتواتيها، فقد قدمت على رسول الله مرضعته حليمة السعدية، فقام إليها متذكرا أيام طفولته ورضاعه من صدرها، مناديا إياها: أمي، أمي.. وألقى إليها بردائه وأقبل عليها يسألها عن حالها، وما أن ذكرت له ضيق اليد، وخشونة الدنيا، وتقدم السن بها إذ يمر على ذكرى رضاعه حينئذ ما يقارب الثلاثين عاما حتى انبعث رسول الله صلى الله عليه وآله  وما أكثر ما يحرك ضميره حاجةُ الإنسان فكيف إذا كان مرضعته!! قام لخديجة يحدثها عن مرضعته ولزوم مساعدتها، وخديجة التي تتطلب قضاء حاجة لزوجها فلا يكلفها بل يقضي حوائجه بنفسه، ها هي لا تسعها الفرحة، لتقضي لمحمد حاجة يطلبها، فتأمر بما يسر محمدا  صلى الله عليه وآله ، قطيع من الغنم، ومعه ناضح يحمل الماء.. لمرضعة الحبيب المصطفى، وقد كان ذلك سببا في رجوعها في عام آخر بعد البعثة وإسلامها وزوجها على يد رسول الله([16]).

خديجة المؤمنة

يعاني المصلحون مشكلة في تعويد زوجاتهم على نمط الحياة التي يعيشونها، ويعانون اكثر من عدم استقبالهن للتغيرات التي تحصل في تلك الحياة، والمراحل الجديدة التي يطوونها، ذلك أن هؤلاء يواجهون المجتمع المنحرف عنهم والمقاوم لتوجهاتهم، هذا خارج البيت والأسرة، ويتوقعون أنهم يجدون الدفء والدعم في داخل البيت، فإذا كانت زوجاتهم غير مستعدات لتلقي هذه التغيرات، بدعم أزواجهن والتخفيف عنهم فإن مصيبة المصلح تكون مضاعفة، فضلا عما إذا كانت الزوجة غير مؤمنة به، ولذا وجدنا تعبير القرآن عن هذا الصنف من النساء تعبيراً قاسياً، كما يلحظ في سورة التحريم {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}([17]).. إن تعبير القرآن الكريم عنهما بالخيانة مع أنها ليست الخيانة الزوجية، ليكشف عن مدى شناعة العمل في نظر القرآن الكريم، وإنما كان تخلياً عن عقيدتهما وعن دعم النبيين المذكورين في الآية.

في المقابل نجد بعض النساء اللاتي اختصهن الله سبحانه بمنزلة دعم الأنبياء والأوصياء، فكنّ كهفا دافئا يلجأ إليه الأنبياء في صقيع الخذلان الاجتماعي، وظهرا يستندون إليه عندما ينكشف الناس عنهم.. وفي طليعة أولئك بل أولاهن على البشر كانت أم المؤمنين خديجة سلام الله عليها، فقد ضربت المثل الأعلى بفعلها للإيمان المستعلي على المصالح، المضحي بكل شيء، وللزوجة الدافعة لزوجها، الخائضة معه لجج الغمرات، وتحدي الصعوبات..

وقد بدأت أولا بالإيمان به صلوات الله عليه عندما أوحي إليه من قبل الله، ومع أننا لا نتفق مع الروايات التي تنقل ومفادها أن الرسول صلى الله عليه وآله نزل عليه جبريل وغطه عدة مرات، وأنه خرج من ذلك يرجف، وجاء إلى بيت خديجة قائلا لقد خشيت على نفسي!! وأنها ذهبت به إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وكان قد تنصر وقرأ الكتب فأقنع (!!) ورقة بن نوفل النبي محمدا بنبوته ورسالته (!!) أو أنها أدخلت النبي بين درعها وجلدها فكانت إذا فعلت ذلك اختفى عنه جبريل وإذا أخرجته رأى جبرئيل.. أو أن النبي كان قد ذهب ليتردى من الجبال في عملية انتحار لم يسبقه بها نبي من السابقين، ولكن جبرئيل تبدى له حينئذ.. إلى غير ذلك مما ذكروه..

نحن لا نعتقد بأي من تلك الروايات، وإنما نرى أن مجيء جبرئيل بالوحي للنبي كان أمرا متوقعا من قبله صلوات الله عليه، وأنه كان يرى إرهاصات النبوة قبل هذه الحادثة بفترة من الزمان طويلة، من سلام الكائنات عليه، والرؤيا الصادقة، بل إن نبوته كانت متوقعة من قبل آخرين من أهل بيته كجده عبد المطلب وعمه أبي طالب، فكيف يخفى عليه ما ظهر لغيره من تكريم الله إياه؟ وهو مفاد رواية صحيحة عن الإمام الباقر u  >.. وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ونحو ما كان رأى رسول الله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة<([18])، والرواية تتحدث عن أسباب للنبوة قبل الوحي وليس سبباً واحداً.

نعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله  عندما بعث وكان ذلك مع بداية نزول الوحي عليه كان متوقعا لذلك الحادث ولم يشك فيه لحظة واحدة ولم يكن محتاجا أن يؤتى به إلى عالم نصراني لكي يقنعه بأن هذا هو الناموس الأعظم كما ذكروه، وإنما رجع إلى بيته، وقد أحس بثقل المسؤولية العظمى التي ألقيت على عاتقه، والتي سوف يواجه لأجلها هذا الكيان الجاهلي بما له من كبرياء الحمق، وجبروت الجهل والقوة.. لكنه كان مصمما على القيام بهذه المهمة..

وهنا يبرز دور الطاهرة خديجة صلوات الله عليها، التي استقبلته في عودته تلك بأفضل ما يستقبل به صاحب دعوة، وآمنت به على الفور لأنها تعتقد أن هذا الرجل هو الذي تتجسد فيه كل صفات الأنبياء بل يتفوق في صفاته عليهم، فلو لم يبعث رسولا لكان الأمر غريبا.. فإنه ليصل الرحم ويصدق الحديث ويحمل الكَل ويُكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق!

وقد كانت عليها السلام أول من آمن به، فمنذ أن جاء من غار حراء يحمل على عاتقه مسؤولية هداية البشر ودعوتهم إلى رب العالمين، هيأت له كل ما يحتاجه صاحب الدعوة، فقد آمنت به بصدق، وراحت فيما بعد تخفف عنه أذى قريش، وتكذيبهم، وتتحرى راحته، ويا بؤس نهارها لو سمعت أن رسول الله قد أوذي فهي لا تلبث أن تخرج مستنجدة بعمه أبي طالب مرة، ومدافعة عنه بصورة مباشرة أخرى، ولقد أصابها من أحجار الكفار مقدار ما أصابها من شتائمهم.. بل إن حجارة السفهاء كانت تصل إلى داخل بيتها ملاحقة رسول الله  صلى الهل عليه وآله.

المجاهدة المنفقة

منذ اليوم الأول الذي قبلت فيه الزواج من رسول الله ، جعلت خديجة نفسها وأموالها وقفا على رسول الله، فإنهم يذكرون أنها كلفت ابن عمها ورقة بن نوفل أن يعلن على جميع القرشيين بأن ما تملك ملك رسول الله، فقام ورقة منادياً: يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها وهبت لمحمد نفسها ومالها وعبيدها وجميع ما تملكه يمينها إجلالاً له وإعظاماً لمقامه ورغبة فيه..

كان هذا الإعلان الصادق منها يعبر بشكل كامل عن طريقة الحياة التي اختارتها مع النبي محمد  صلى الله عليه وآله ، وبالفعل فقد ترجمت حياتها مواد هذا الإعلان فقد أنفقت وأنفقت حتى لقد قام الإسلام على عمودي سيف علي ومال خديجة. وكان النبي يتصرف في ذلك المال لنصر الدعوة فيعين الفقير الذي أضر به الفقر، ويعتق المملوك المسلم من يد مالكه الكافر، بل إن تجهيز المسلمين للهجرة كان من أموال خديجة، فإنه من المعلوم أن السفر أيا كان يحتاج إلى مؤونة مالية سواء للطعام أو للراحلة، أو بعد الوصول إلى المقصد حتى تتهيأ حياة جديدة للمهاجر، وكان المسلمون المهاجرون لا سيما للحبشة غالبهم من الضعفاء والفقراء فكان مال خديجة هو الأساس المعتمد، وهجرة الفواطم وأهل النبي من مكة للمدينة كذلك، ولهذا لما سئل أبو رافع وهو يحدث عن هجرة علي u  من مكة: أو كان يجد النبي ما ينفقة هكذا؟ قال: وأين يذهب بك عن مال خديجة عليها السلام ؟

وبعدها لا غرابة أن نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله ، وقد أسلمت له العرب أقدارها، واليهود أذعنت إليه بأموالها، وأصبحت ميزانية الدولة الإسلامية في عهده ضخمة، ومع ذلك يقول: ما نفعني مال قط ما نفعني مال خديجة!([19]).. لقد كانت صاحبة المال مباركة وكانت نيتها في العطاء خالصة، فجاءت هذه البركات.

أم الذرية النبوية الطاهرة

كان رهان الكفار أولا على النبي ، وأنه سوف يتراجع عن دعوته عندما يجد أن قريشا كلها يد ضده، أو أنهم يمكن أن يغروه بالمال وغيره.. وفشل هذا الرهان منذ الأيام الأولى عندما أعلنها بصراحة لهم: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. ثم كان رهانهم على إيذاء المسلمين وفتنتهم، وأنهم عندما يلقون الإيذاء والاضطهاد والمقاطعة سوف يتركون دينهم الجديد.. ولم يكن حظ هذا الرهان إلا كسابقه.. وكعادة الغريق الذي يتشبث بأي حشيش أو طحلب، راهنوا وما أكثر رهانهم وقمارهم هذه المرة على الزمان والأيام، فهم يرون أن محمدا هو كل شيء في هذه الدعوة، وعما قريب يهلك أو يقتل، فتموت بذلك دعوته إذ أنه لا عقب له، بل هو (أبتر) كما كان يقول العاص بن وائل.

وهنا يتجلى إكرام الله لخديجة، ومباركته إياها فإذا بها تكون أم الذرية، ووالدة الكوثر، ويمن الله سبحانه على نبيه وعلى هذه السيدة الجليلة بل على الأمة بهذه السلالة الطاهرة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ! فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ! إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}.

فقد رزق الرسول منها القاسم والطاهر (وهو عبد الله) وقد توفيا صغيرين، كما رزق منها سيدة نساء العالمين أجمعين فاطمة الزهراء عليها السلام ، وهي التي كان منها ذريته وبقي منها نسله، فكانت بحقًّ (الكوثر والخير الكثير)، وبقي امتداد رسول الله منها ذرية طيبة يملؤون الأرض نورا وهداية في كل عصر، وينفون عن الدين تأويل المبطلين.. بينما كان شانئه وشانئهم هو الأبتر، الذي يذهب الضجيج الذي يصنعه بذهابه ويموت ذكره بحلوله في التراب.

والذي ينبئ عن اختصاص السيدة الطاهرة المباركة بهذه المنقبة أن نساء النبي جميعا لم يرزق النبي منهن بشيء([20]) ما عدا مارية والتي توفي ابنها إبراهيم مبكرا مع أن فترة بقائه مع كثير منهن كانت في حدود العشر سنوات، وكان فيهن البكر والثيب ومن أنجبت من غير النبي قبله كأم سلمة رضوان الله تعالى عليها، ولكنها منقبة اختصت بها هذه الطاهرة التي ملّكت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى قبل بعثته رغبة فيه وإجلالا لمقامه.. و{مَن جَاء بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}.

من الجنة هذه المرة تشكلت النطفة الطيبة ليأتي منها الكوثر.. فقد روي في أكثر من سند بأن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يظهر نور فاطمة الزهراء صلوات الله عليها أمر نبيه أن يعتزل خديجة مدة من الزمان، يكون فيها صائم النهار قائم الليل، حتى إذا تمت تلك المدة أتحفه بتفاحة من طعام الجنة هدية الرب الجليل إلى عبده ورسوله لُتبنى خلقة فاطمة على طعام الجنة الخالص من الشوائب والأدران، وبالفعل فقد واقع النبي أهله بعد ذلك مباشرة فمنها تكونت فاطمة عليها السلام ولذلك كان النبي إذا أراد أن يشم رائحة الجنة قبّل الزهراء (تفاحة الفردوس والخلد التي شرف الله مولدها بنساء الجنة وسل منها أنوار الأئمة).

عام الحزن

ألف يوم تقريباً، هي الفترة التي قضاها بنو هاشم والمسلمون مع رسول الله في شِعب أبي طالب وهو واد بين جبلين في مكة.. وذلك بعد أن أعلنت قريش المقاطعة الاقتصادية الشاملة ضدهم، فلم يسمح لهم بالشراء من بائعي مكة، ولم يشتروا منهم شيئا، ونفذ القوت وانتهت الأطعمة حتى لقد كان أطفالهم يتصاغون من الجوع، ولكنها ضريبة الإيمان التي دفعها المسلمون برضا نفس، وسكينة قلب. غير أن الفترة تلك قد أثّرت في صحتهم وأبدانهم، وخديجة بنت خويلد التي كانت أغنى امرأة في قريش، ها هي ترقد على بساط هو والتراب واحد في ذلك الشعب وقد نحلت قوتها، وشحب لونها إلا من ابتسامة الاطمئنان المشرقة وهي تتوقع الوصول إلى حبيبها السلام الذي منه السلام وإليه يعود السلام.

يمر عليها رسول الله ، فيرى خديجة التي ما نفعه بمال كما نفعه بأموالها هاهي تعيش لحظاتها الأخيرة، وهي صفر اليدين من أموال الدنيا التي أنفقتها لشراء الآخرة ولقد ربح بيعها، لكن الأمر محزن، أن تكون في هذه اللحظات وبهذه الصورة فلا يستطيع الرسول أن يفعل لها شيئا.. فقال لها: بالكره مني ما أرى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا.. أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون؟([21])

وجاءت بعد ذلك أسماء بنت عميس فوجدت خديجة تبكي، فجلست تنهنه عنها، وتذكرها أنها واردة على من هو مشتاق إليها، ومن صرفت عمرها لأجله، فأخبرتها أنها لا تبكي لفراق الدنيا وإنما تبكي لحال ابنتها فاطمة: فإنه لا بد للمرأة ليلة زفافها من امرأة تفضي إليها بسرها، وتستعين بها على حوائجها، وفاطمة حديثة عهد بصبا وأخاف أن لا يكون لها من يتولى أمرها حينئذ. فعاهدتها على أن تكون لفاطمة في ليلة زفافها كما أرادت خديجة..

واطمأنت الطاهرة إلى وضع فاطمة في أول ليلة من حياتها الزوجية، أغمضت عينيها، وصافحتها الملائكة مسلمة، وقدمت الروح على بارئها.. إلى جنته حيث لا نصب ولا تعب ولا صخب.

 

 

 

 

 

الصديقة الكاملة

عن رسول الله صلى الله عليه وآله :

ـ ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)[22].

ـ ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء  إلا أربع : آسية بنت مزاحم ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد)[23] .

في البداية لا بد أن نقول أن المثال لا يعترف بالجنس ، بمعنى أن المثال الأعلى لو كان مذكرا فلا يحصر أمر الاقتداء به بالرجال وهكذا النساء .

 خديجة : (إنسان ) كامل ولذلك ينبغي أن يقتدي به الرجال والنساء ، وهذا ما أشار إليه القرآن عندما ضرب مثلا : آسية بنت مزاحم ، وهي مثال للإنسان الذي يستطيع أن يتغلب على الظروف التي تجبره للكفر أو الانحراف .

وعندما يقدم رسول الله خديجة يقدمها مثلا يقتدى به في محيط النساء والرجال .

والحديث عنها متعدد الجوانب رائع ، تعدد جوانب الخير فيها وروعتها .

كانت تلقب حتى قبل بعثة الرسول بالطاهرة ، وهذا يشير إلى نقطة هامة وهي أن التفوق المتأخر لا يمكن أن يأتي بصورة قفزية .. بأن يكون شخص في السابق فاسقا فاجرا وفجأة يصبح من المقربين في قفزة واحدة ، فهذا ليس من السنة الاجتماعية في شيء ، وإنما الطبيعي هو أن يكون الشخص لديه مقدمات في نفسه حتى إذا تهيأت لها ظروف السمو والتكامل ـ تكاملت ووصلت .

وربما يكون هذا هو المقصود من ما روي ان : خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام[24] . بمعنى أن من يكون في تلك الظروف التي تكثر فيها دواعي الانحراف ، فاضلا وخلوقا ، فإنه يفترض أن يكون في الإسلام أفضل مع وجود الظروف المناسبة والمواتية .. فلو صح هذا الحديث فإنه يمكن توجيهه بهذا المعنى .

فإذا كانت في الجاهلية تسمى بالطاهرة ، فما ظنك بها في الإسلام ، فكيف إذا صارت زوجة لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ، خصوصا أن الجاهلية لم تكن تنظر إلى كثير من الانحرافات نظرة سيئة ، فإننا نجد أن مثل أبي سفيان يأتي بشكل واضح ويقول لأحدهم التمس لي بغيًّا[25] . وهكذا كانت بيوت الدعارة ، وذوات الأعلام .. فما كانت  تلك الانحرافات شيئا ناشزا ،( إلا من وجود بعض المتحنثين ، والسائرين على ما تبقى من شريعة إبراهيم الخليل ) .

فلو نظرنا إلى ذلك الوضع ، من امرأة مالكة لأمرها ، وثرية جدا ، والجو يساعد على الانحراف ، ومع ذلك تأتي في ذلك الوضع  وتعرف بلقب الطاهرة ..هذا أمر ينبغي التفكير فيه جديا .

* شاءت إرادة الله أن تكون هذه المرأة الطاهرة ، منجبة لأولاد الرسول ، كما أشار إليه الرسول في بعض أحاديثه أنه رزقني الله الولد منها وحرمني من غيرها ، مع ملاحظة وجود ثمان نساء أخريات له ، فيهن الثيبات والأبكار ، ومنهن من أنجب قبل زواجها من رسول الله ، أي لم يكن عقيمات ، وفيهن من بلغن الدرجات العاليات من الإيمان والخلق , وقد بقين معه فترة طويلة يمكن معها الإنجاب ، وكان الرسول يقوم بواجب كل واحدة الزوجي . ولكن هذه خصيصة خديجة وميزتها ، والنعمة التي حباها الله بها دون غيرها : أن يكون أبناء رسول الله وذريته منذ ذلك الوقت إلى يوم القيامة ، جدتهن الكبرى خديجة .

ما هو سبب ذلك ؟

ينبغي أن نفكر في مقالة النبي ( حين كذبني الناس ، حين حرمني ) .. مسألة التوقيت و( الحين ) لها أهمية عالية ، وله الأثر الأكبر بحيث لو تقدم أو تأخر ربما لم يكن نافعا أصلا ، أو لم يكن نافعا النفع الأكبر ، فلو أن شخصا كان عطشانا عطشا يودي به إلى الموت ، فهناك لحظة ينفعه وصول الماء حينها ، أما لو تأخر هذا الماء عن الحين والوقت المناسب ووصل بعد يوم مثلا ،  لما كان نافعا أصلا .

عندما يأتي للنصرة أحد ولكن بعد كثرة الناس ، فهذا وإن كان نافعا إلا أنه ليس كما تكون النصرة حين القلة والضعف ، وخصوصا أنه في هذا الوقت يكون التراجع وعدم تحمل المسؤولية ..

لماذا نجد أن يوم الدار يعتبر فضيلة ومنقبة لأمير المؤمنين علي u ؟ إن ذلك بالنظر إلى الظرف والوقت الذي كان فيه رسول الله ، فإنه كان يعيش في مجتمع مكذب ، وفي عائلة معارضة لدعوته ، ومع أعمام جاحدين ـ إلا القليل منهم ـ .. هنا كان موقف النصرة والاستجابة يعدل مئات المواقف عندما تتغير الظروف .

وهذا يختلف عن مجيء النصرة في فتح مكة عندما جاء بعشرة آلاف مقاتل وذلك أنه  (  لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا )[26] .

إن خديجة في ذلك الحين الذي بدأ فيه الدعوة وقد كانت كل المؤشرات في غير صالح الرسول ، قامت هي باختيار الرسول زوجا قبل هذا الحين بفترة كافية ( نؤكد على أنها اختارت النبي ) وذلك من كمال عقلها الذي أشير إليه في بعض الروايات أنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع : إحداهن خديجة بنت خويلد ..

ثم تصب بين يديه كل أموالها في سبيل نصرة دعوته ..وتكون له درعا حاميا .

وهنا نشير إلى قضية وهي : أن أصحاب الدعوات يحتاجون إلى أمرين : حماية خارجية ، وسكن نفسي . ومن دون هذين ستتعقد أمورهم .

وقد توفر كلا الأمرين لرسول الله ، قام بالأول أبو طالب ، فصد عنه المشاكل والهموم ، والتحديات والإهانات ، بل كان يتحدى كل القرشيين لو قاموا بتهديد رسول الله ،  ولذا نقل أن أبا طالب لما توفي أمر النبي بالخروج من مكة فإنه لم يبق له فيها ناصر ..

والأمر الآخر ، هو السكن النفسي والهدوء الداخلي ، فمتى فقده الإنسان صاحب الدعوة فإن مهمته تتعقد ، ولذا أشار القرآن إلى نبي الله لوط ونوح ، وأن نساءهما خانتاهما ، والخيانة هنا لا تعني الخيانة الجنسية وإنما الخيانة في الدعوة وعدم الإيمان بها ، بل التعامل مع المجتمع المحيط ضد النبي كما ورد في بعض روايات قصة نبي الله لوط وأنه لما جاءته الملائكة عمدت زوجته إلى إخبار المجتمع الكافر بوجود أغراب في ضيافته !

توفر لرسول الله هذا السكن النفسي مع خديجة بحيث ملأت حياته ، ولذا عاش معها حوالي خمسة وعشرين سنة ولم يتزوج عليها امرأة أخرى ! حتى إذا رحلت خديجة تزوج بثمان نساء ، ولم يقمن بأجمعهن مقام خديجة ..حتى لقد أثار ذلك بعض نسائه غيرة ، وذكرتها بما لا يليق وأن الله قد أبدله خيرا منها ! مما أغضب رسول الله غضبا شديدا .وقال : ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي حين كفر بي الناس وصدقتني حين كذبني الناس ،وواستني بمالها حين حرمني الناس ورزقني الله الولد منها وحرمت من غيرها .

* نقطة أخرى : وهي أن خديجة لم تكن من ذرية النبي صلى الله عليه وآله ـ نسبا ـ مثل فاطمة أو الحسن والحسين ، ومع ذلك فإنها وصلت إلى ما وصلت إليه من المنزلة والشأن ، وما ذلك إلا لأنها (آمنت بي ) و( صدقتني ) و( واستني ) وهذه كلها أفعال اختيارية أوصلتها إلى ما وصلت إليه .وهذا الباب مفتوح لمن أراد دخوله لينضم بذلك إلى مستوى العظماء .

أبناء وبنات السيدة خديجة

* كم كان عدد أولادها ( ذكورا وإناثا ) ؟ وهل أن زينب وأم كلثوم ورقية كن بناتها أو ربائب لها ؟

الجواب : المتفق عليه بين الشيعة والسنة أن أم المؤمنين خديجة عليها السلام قد أنجبت للنبي صلى الله عليه وآله من البنات فاطمة الزهراء ، ومن الولد عبد الله (الطاهر) والقاسم .

ولكن اختلفوا في أنها هل أنجبت له من البنات غير فاطمة أم لا . وهنا يتفق مؤرخو ومحدثو السنة ـ تقريبا ـ على أنها أنجبت  له من البنات : زينب ورقية وأم كلثوم .

بينما يوجد لدى مؤرخي ومحدثي الشيعة رأيان :

ـ فهناك رأي موافق للسنة في أنها أنجبت البنات الثلاث المذكورات ، ولعله هو الرأي المشهور .

ـ وهناك رأي مخالف ينتهي إلى أن البنات المذكورات لم يكن بنات النبي وإنما هن ربائبه .

ويظهر أن أول من ذكر هذا الرأي في كتاب واستدل عليه هو أبو القاسم الكوفي كتابه الاستغاثة .

وسوف نتعرض ـ ولو باختصار ـ إلى هذين الرأيين وأدلة أصحابهما .

أدلة القول بكونهن بنات النبي :

فقد ذهب المشهور إلى أنهن بنات النبي اعتمادا على عدة أمور :

ـ منها ما هو مشهور بين المؤرخين وأهل الأنساب في هذا الشأن ، فلا تكاد تجد من يتحدث عن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وبناته إلا ويذكرهن .فمن ذلك بالإضافة إلى ما ورد في كتب السيرة النبوية وكتب التاريخ التي كتبها المؤرخون غير الشيعة [27]، فقد ذكر هذا الأمر في كتاب ( تاريخ الأئمة ) لأبي الثلج البغدادي المتوفى حوالي 320 هـ  فقال : قال الفريابي حدثني أخي عبد الله بن محمد وكان عالما بأمر أهل البيت عليهم السلام حدثني أبي حدثني ابن سنان عن أبي نصر عن أبي عبد الله عليه السلام قال ولد لرسول الله صلى الله عليه وآله من خديجة القاسم وعبد الله والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة عليها السلام ومن مارية القبطية إبراهيم فأما رقية فزوجت من عتبة بن أبي لهب فمات عنها  وأما زينب فزوجت من أبي العاص بن الربيع فولدت منه ابنة سماها أمامة تزوجها أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة فاطمة عليها السلام[28] .

 ـ ومنها بعض الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ، فقد ذكر الحميري القمي ذلك وأورد روايته عن  مسعدة بن صدقة قال : حدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : ولد لرسول الله صلى الله عليه وآله من خديجة : القاسم ، والطاهر ، وأم كلثوم ، ورقية ، وفاطمة ، وزينب . فتزوج علي عليه السلام فاطمة عليها السلام ، وتزوج أبو العاص بن ربيعة – وهو من بني أمية – زينب ، وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم ولم يدخل بها حتى هلكت ، وزوجه رسول الله صلى الله عليه وآله مكانها رقية . ثم ولد لرسول الله صلى الله عليه وآله – من أم إبراهيم – إبراهيم ، وهي مارية القبطية .

وذكر مثله الشيخ الصدوق في الخصال : في موضعين الأول : عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ولد لرسول الله صلى الله عليه وآله من خديجة القاسم والطاهر وهو عبد الله ، وأم كلثوم ، ورقية ، وزينب ، وفاطمة . وتزوج علي ابن أبي طالب عليه السلام فاطمة عليها السلام ، وتزوج أبو العاص بن الربيع وهو رجل من بني أمية زينب ، وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم فماتت ولم يدخل بها ، فلما ساروا إلى بدر زوجه رسول الله صلى الله عليه وآله رقية . وولد لرسول الله صلى الله عليه وآله إبراهيم من مارية القبطية وهي أم إبراهيم أم ولد[29]

والثاني  : عن أبي عبد الله عليه السلام قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول : والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لأمك علينا فضلا وأي فضل كان لها علينا ما هي إلا كبعضنا ، فسمع مقالتها فاطمة فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله بكت فقال لها : ما يبكيك يا بنت محمد ؟ قالت : ذكرت أمي فتنقصتها فبكيت ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال : مه يا حميرا فإن الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود وإن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهرا وهو عبد الله وهو المطهر ، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وأم كلثوم وزينب وأنت ممن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئا[30] .

ـ وهناك بعض  الروايات تشير ضمنا إلى هذا الموضوع وتنسب البنات إلى النبي صلى الله عليه وآله ، مثلما ورد في حديث ( ألا أدلكم على خير الناس أبا وأما وجدا وجدة وعما وعمة وخالا وخالة : الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله[31]  ..) ، ورواية الحسين بن روح في جوابه على سؤال من سأل ( لماذا فضلت فاطمة على سائر بنات النبي )[32] .

ـ كما أنهم يشيرون هنا إلى كلام أمير المؤمنين u في معاتبته للخليفة عثمان ، ودعوته إياه إلى انتهاج سبيل صحيح في الاصلاح وأنه أولى من الخليفتين الأول والثاني بهذا كما ورد في نهج البلاغة : ( وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشيجة رحم منهما وقد نلت من صهره ما لم ينالا )[33].

ـ وفي رواية عن الامام الصادق عليه السلام يستفاد منها هذا المعنى أيضا فعن سماعة قال : سألته عن مناكحتهم والصلاة خلفهم ، فقال : هذا أمر شديد لن تستطيعوا ذلك ، قد أنكح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وصلى علي ( عليه السلام ) وراءهم[34] .

.

ـ ما يظهر من بعض أعيان الطائفة الالتزام به والدفاع عنه كأنه أمر مسلم ، فمنهم الشيخ المفيد كما في المسائل السروية[35]  ، ومنهم السيد المرتضى[36] في كلامه عن وجه أفضلية السيدة الزهراء عليها السلام على باقي أخواتها ، ومنهم  الشيخ  صاحب الجواهر كما نقله عنه السيلاوي في كتابه الانوار الساطعة قال : وذكر قريبا منه الفقيه والرجالي الكبير ملا علي العلياري في بهجة الآمال في شرح زبدة المقال . وذكر الفقيه الكبير صاحب الجواهر : فقد زوج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فاطمة عليا ( عليه السلام ) وأختيها رقية وأم كلثوم عثمان . . وذكر قريبا منه الشيخ الطوسي ( قدس سره )[37] .

ونفس ذلك ذهب إليه العلامة الشيخ علي بن يونس العاملي المتوفى سنة 877 هـ ، فقد ناقش مسألة التفضيل لعلي بزواجه من فاطمة ، وأنها خير من سائر بنات النبي ، اللاتي تزوج بعضهن بعتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع وعثمان بن عفان[38] .

ـ ويرى أصحاب هذا الرأي أن  طريقة تعامل النبي صلى الله عليه وآله ، معهن تفيد كونهن بناته وإن كانت منزلتهن دون منزلة فاطمة ، فطريقة الحديث عن الزهراء وتزويجها كانت من قبل الله تعالى لمكانتها الخاصة وحيث أن النبي ( لا ينطق عن الهوى ) فإنه زوج باقي البنات ضمن القواعد العامة لا بشكل خاص وتعيين إلهي .

وأما ما عدا ذلك فإنه كان رفيقا بهن ويتعامل معهن تعامل الأب  مع بناته . فقد أهدر دم هبار بن الأسود الذي وكز زينب ابنته حتى ألقت ما في بطنها . وهكذا تبرأ ممن آذى النبي في ابنتيه رقية وأم كلثوم[39] .

فما هي ميزة هذه الفتيات ( لو كن ربائب ) في كل هذه العناية النبوية ، علما بأنه كان للنبي ( ربائب ) متفق عليهما ولم نلحظ هذا الاهتمام الخاص من النبي  بشأنهما لا في تزويجهما ولا في باقي حياتهما .. فإن من الثابت تاريخيا أن أم سلمة لما تزوجها النبي صلى الله عليه وآله كان لديها ولد وهو عمر ، وكان لها بنت وهي برّة ، فسماها النبي بـ  ( زينب ) وهي غير زينب ابنته .. وكان لدى أم حبيبة التي تزوجها النبي بنت ، هي حبيبة من زوجها السابق عبيد الله بن جحش الذي هاجر مع المسلمين إلى الحبشة لكنه تنصر هناك ومات في الحبشة فتزوجها النبي ولديها بنت هي ( حبيبة ) التي تكون ربيبة النبي .

فلماذا لم نجد أي اهتمام استثنائي من الرسول بهذه الربائب ؟ واهتم بشكل خاص بزينب وأم كلثوم ورقية ..إن كن ربائب ولسن بنات ؟

وعلى هذا الأساس فإن عددا كبيرا من أعيان الطائفة قديما وحديثا قد ذهبوا إلى هذا الرأي ، وأرسلوه إرسال المسلمات ، فمنهم بالإضافة إلى من تقدم ذكرهم :

ـ ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ( ت 329 هـ )  حيث ذكر في كتاب الكافي باب التاريخ ذلك قائلا ، في ترجمة النبي محمد صلى اله عليه وآله : فولد له منها قبل مبعثه عليه السلام القاسم ، ورقية ، وزينب ، وأم كلثوم ، وولد له بعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة عليها السلام  [40]..

 وتابعه في ذلك المولى صالح المازندراني ( ت 1086 هـ )  حيث أنه في شرحه للكتاب لم يتعقبه بنظر مخالف مما يفيد موافقته إياه[41] .

ومنهم الشيخ المفيد ( ت 413 هـ )  ، والشيخ الطوسي ( ت 460 هـ )  والسيد المرتضى ( ت 436 هـ )  كما سبق .

ومنهم العلامة الطبرسي ( ت 548 هـ )  فقد قال  في كتابه تاج المواليد : أولاده وأزواجه عليه كان لرسول الله عليه التحية والسلام ولد له سبعة أولاد من خديجة ابنان وأربع بنات : القاسم وعبد الله وهو الطاهر والطيب ، وفاطمة صلوات الله عليها وزينب و أم كلثوم ورقية ، وولد له إبراهيم من مارية القبطية[42] .

وقد نقل العلامة المجلسي ( ت 1111 هـ ) في البحار اختيار ابن شهر آشوب ( ت 588 هـ )  كما يلي : مناقب ابن شهرآشوب : أولاده : ولد من خديجة القاسم وعبد الله وهما الطاهر والطيب ، و أربع : بنات زينب ورقية وأم كلثوم وهي آمنة وفاطمة وهي أم أبيها ، ولم يكن له ولد من غيرها إلا إبراهيم من مارية[43].

ومن المعاصرين ننقل كلام عدد ممن صرحوا بهذا المعنى فمنهم :

 آية الله السيد محسن الأمين العاملي في ترجمة أم كلثوم بنت رسول الله ، أمها خديجة بنت خويلد .وقال : في مجمع البحرين : كان لرسول الله ص من خديجة أربع بنات كلهن أدركن الإسلام وهاجرن وهن زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم . وقال الطبرسي في إعلام الورى وغيره ان أم كلثوم بنت رسول الله ص تزوجها عثمان بعد أختها رقية وتوفيت عنده ومثله عن ربيع الشيعة لابن طاوس[44] .

ومنهم العلامة السيد هاشم معروف الحسني ، كما نقل عنه ذلك الحاج حسين الشاكري في كتابه ( أم المؤمنين الطاهرة ) ذاكرا إياه بعنوان أنه (انفرد السيد هاشم معروف الحسني بأن أم المؤمنين خديجة أنجبت له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ستة أولاد ما بين ذكور وإناث وهم القاسم وبه يكنى ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وعبد الله ، وفاطمة ) [45] .

ومنهم آية الله السيد محمد الشيرازي رحمه الله في كتابه أمهات المعصومين حيث قال : إن أولاد الرسول صلى الله عليه وآله كلهم من السيدة خديجة إلا إبراهيم ، أما إبراهيم فهو من السيدة مارية القبطية فقد ولد بالمدينة وعاش سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام ومات بالمدينة ودفن في البقيع ،.

فأنجبت السيدة خديجة من الأولاد : القاسم والطيب وقد ماتا بمكة صغيرين وأنجبت من البنات زينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة [46].

ومنهم آية الله الشيخ جعفر السبحاني في كتابه سيد المرسلين حيث قال : وقد أنجبت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله ستة من الأولاد : اثنين من الذكور أكبرهما القاسم ثم عبد الله اللذان كانا يدعيان بالطاهر والطيب وأربعة من الإناث ..

كتب ابن هشام يقول في هذا الصدد : أكبر بناته رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة .فأما الذكور من أولاده صلى الله عليه وآله فماتوا قبل البعثة وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام[47] .

ومنهم العلامة الشيخ محمد هادي اليوسفي ، فقد ذكر في سياق الحديث عن الهجرة قوله : أما علي ( عليه السلام ) فإنما حمل معه أمه فاطمة بنت أسد ومعها من بنات الرسول فاطمة وأما سائر بناته : فزينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع ، ورقية مع زوجها عثمان في هجرة الحبشة ، وأما أم كلثوم فقد مر أن عكرمة كان قد طلقها ولم يذكر أنها هاجرت إلى الحبشة ، ولم يذكر أن عليا ( عليه السلام ) حملها مع أختها فاطمة إلى المدينة . ولكن قالوا : إن رسول الله بعث أبا رافع القبطي وزيد بن حارثة الكلبي من المدينة إلى مكة فحملا إليه زوجته سودة بنت زمعة وسائر بناته  بل هي أم كلثوم فقط.[48]

ويطول الأمر لو أريد تتبع كل الأقوال .

وقد ذكر العلامة الشيخ عبد اللطيف البغدادي طريقا آخر في ما يمكن أن يكون أدلة للمشهور بما خلاصته ما يلي :

إنه يدل على كون تلكم النساء بنات النبي ولسن ربائب:

 أولا :القرآن الكريم في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ )[49] .. فقوله ( وبناتك ) يدل على تعدد البنات لا أنها واحدة . وهذا ليس من باب ( نساءنا ونساءكم وأنفسنا ..) فقد استعمل الجمع وأريد منه المفرد إجماعا فإن المقام هنا مقام التعظيم دون ذلك المقام .

ويؤيده قول أمير المؤمنين u ( وأنا زوج البتول سيدة نساء العالمين ، فاطمة التقية النقية ، المبرة المهذبة ، حبيبة حبيب الله ، وخير بناته وسلالته ).فإن تعبيره بخير بناته يقتضي التعدد .

وثانيا : السنة الشريفة تدل على المطلوب حيث نقل في هذا المجال روايتي الصدوق في الخصال ، والحديث المشهور بين الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله : ( ألا أخبركم بخير الناس …خالا وخالة هذا الحسين بن علي خير الناس خالا وخير الناس خالة ، خاله القاسم بن محمد رسول الله ( ص ) وخالته زينب بنت محمد ) . وفي نص آخر : وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم بنات رسول الله .

ونقل أيضا ما هو معروف من وصية الزهراء فاطمة للامام علي u أن : أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لا بد لهم من النساء .. فإنها نسبتها إلى أختها .

وثالثا: نقل الاجماع على أنهن بنات النبي فقد قال : الإجماع وقد نص عليه ابن عبد البر المالكي في الاستيعاب ج 4 ص 272 قال ما نصه : وأجمعوا أنها ( أي خديجة ) ولدت له صلى الله عليه وآله أربع بنات كلهن أدركن الإسلام وهاجرن وهن زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم ، وأجمعوا أنها ولدت أبنا يسمى القاسم وبه كان يكنى .. ثم نقل عددا من كلمات العلماء تفيد هذا المعنى . واستشهد بجواب الحسين بن روح السفير الثالث للإمام الحجة عجل الله فرجه . وبتوجيه الشريف المرتضى في أفضلية الزهراء على باقي بنات رسول الله[50] .

ونضيف إلى ما سبق ، حيث هذا الرأي هو مختارنا ما يلي :

1/ إن المرجع في مثل هذه المسألة هم النسابة ، حيث يشكلون في تلك الأزمنة ما تشكله اليوم  دوائر الأحوال الشخصية  والاحصاء السكاني ، وهؤلاءـ أعني النسابة ـ قد نصوا على بنات النبي  وأسمائهم ، قبل أن تبدأ النقاشات العقدية ..

2/  إن الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، منها ما صريح في ذكر البنات ، ومنها ما هو بالملازمة ، فمن الأول ، ما نقله عنه المحدثون في الحديث :الا أدلكم على خير الناس أبا وأما وجدا وجدة وخالا وخالة .. إلى أن يقول : وخالتهما زينب بنت رسول الله ) ، ومثله ما نقل في مصادر الامامية خصوصا .. مثل هذا الحديث الذي ينقل فيه ما جرى بين عائشة زوجة النبي وفاطمة عليها السلام .. وأن رسول الله غضب ثم قال : مه يا حميرا فإن الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود وإن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهرا وهو عبد الله وهو المطهر ، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وأم كلثوم وزينب

أدلة القول الثاني :

وأما الرأي الثاني القائل بأنه لم يكن لرسول الله من البنات غير فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وأما البقية  ( أم كلثوم ورقية وزينب ) فهن ربائب للنبي ولسن بنات ، وكن في حجر السيدة خديجة ولم يكن بناتها أيضا حيث أنها لم تتزوج أحدا قبل النبي صلى الله عليه وآله .

والذي يظهر أن أول من شيد هذا القول واستدل عليه وصرح به هو أبو القاسم  علي بن أحمد الكوفي[51] في كتابه الاستغاثة حيث  أنه رد على القول بتزويج النبي صلى الله عليه وآله بنتيه من عثمان بن عفان حيث أن بعض متكلمي أهل السنة يعتبرون ذلك ميزة له وفضيلة تنافس فضيلة الإمام علي u في تزويجه فاطمة عليها السلام ، فقد رد أصل الفكرة وذلك بتشكيل مقدمات ، خلاصتها ما يلي :

1/ إن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان قد زوج ابنتيه من أبي العاص بن الربيع وعتبة بن أبي لهب لا يخلو إما أنه كان على دين قومه في الجاهلية أو كان مخالفا لهم .

 فإن قال قائل إن رسول الله ( ص ) كان على دين الجاهلية كفر بالله ورسوله لأن الله تعالى يقول في الإمامة حين قال في قصة إبراهيم عليه السلام ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) ومن كان كافرا كان أكبر الظالمين لقوله تعالى ” إن الشرك لظلم عظيم ” ومن كان كذلك كان عابدا للأصنام ومن كان عابدا للأصنام كان محالا أن يتخذه الله عز ذكره نبيا أو إماما بحكم هذا الوجه ،

ولما فسد ذلك ثبت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان في زمن الجاهلية على دين يرتضيه الله منه غير دين الجاهلية .

2/ ولما وجب ما وصفناه وثبتت حجته كان محالا أن يزوج رسول الله ( ص ) ابنتيه من كافرين من غير ضرورة دعت إلى ذلك وهو مخالف لهم في دينهم عارف بكفرهم وإلحادهم.

3/  ولما فسد هذا بطل أن تكونا ابنتيه وصح لنا فيهما ما رواه مشايخنا من أهل العلم عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وذلك أن الرواية صحت عندنا عنهم أنه كانت لخديجة بنت خويلد من أمها أخت يقال لها هالة قد تزوجها رجل من بني مخزوم فولدت بنتا اسمها هالة ثم خلف عليها بعد أبي هالة رجل من تميم يقال له أبو هند فأولدها ابنا كان يسمى هندا بن أبي هند وابنتين فكانتا هاتان الابنتان منسوبتين إلى رسول الله ( ص ) زينب ورقية من امرأة أخرى قد ماتت .

 وكان من سنة العرب في الجاهلية أن من يربي يتيما ينسب ذلك اليتيم إليه ، وإذا كانت كذلك فلم يستحل لمن يربيها تزويجها لأنها كانت عندهم بزعمهم بنت المربي لها فلما ربى رسول الله ( ص ) وخديجة هاتين الطفلتين الابنتين ابنتي أبي هند زوج أخت خديجة نسبتا إلى رسول الله ( ص ) وخديجة .

إن رقية وزينب زوجتي عثمان لم يكونا ابنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ولد خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وإنما دخلت الشبهة على العوام فيهما لقلة معرفتهم بالأنساب وفهمهم بالأسباب[52] .

ومن بعده يبدو أن هذا الرأي لم يأخذ مجالا واسعا في النقاش التاريخي وإنما اقتصر في الغالب على كونه احتمالا في النقاشات العقدية والخلافية التي تعنى بقضايا الفضائل والمناقب غير أنه قد أُكد عليه في الفترات الأخيرة ، وقام العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي بتأليف كتاب خاص في هذا المجال سماه ( بنات النبي أم ربائبه ؟) .ويمكن لنا أن نشير إلى بعض أدلته في هذا المختصر :

* فإنه في البداية نقل كلام الشيخ المفيد الذي ذكر كونهن بنات النبي  وناقشه ضمن مقدمات عن احترام منزلة المفيد العلمية لكن لا يعني ذلك أنه لا يشتبه ولا يخطئ.

* ثم نقل أقوالا عن طائفة من المؤرخين بأن بنات النبي قد ولدن في الإسلام ورتب على ذلك أنه كيف يجتمع هذا مع زواجهن من ابني أبي لهب  فلما جاء الإسلام طلقاهما فتزوجت رقية من عثمان ؟

* كذلك نقل عن الجرجاني  وغيره بأن رقية كان صغرى بنات النبي وأنها وأم كلثوم أصغر من فاطمة [53] ، فإذا كانت فاطمة ولدت بعد البعثة بخمس سنوات وولدت أخواتها بعدها فكيف يكن قد تزوجن في الجاهلية بابني أبي لهب ثم بعثمان ؟

* ثم نقل عن بعضهم ما قيل في تاريخ زواج النبي بخديجة واختار أنه تزوجها قبل البعثة بثلاث سنين ، فإذا كان كذلك فكيف يجتمع هذا بأنها أنجبت رقية وأم كلثوم وأنهما تزوجتا في الجاهلية [54]؟

* وكذلك فقد قال بأننا لا نجد في هجرة الفواطم مع علي u  ذكرا لأم كلثوم  فأين كانت [55]؟

ثم عطف الكلام على زينب زوجة أبي العاص بن الربيع ونقل من سيرة مغلطاي أن خديجة قد ولدت لزوجها الأول النباش بن زرارة  هند والحرث وزينب ..وقرر أن ذلك اعتراف بكونها ربيبة النبي ، مع أنه يلتزم بعدم زواج خديجة قبل النبي بأحد كما أشار إلى ذلك .

* وأخيرا نقل كلام أبي القاسم الكوفي في الاستغاثة ، وعطف في بحثه أخيرا على تحقيق موضوع زواج خديحة وأنها لم تتزوج أحد قبل النبي .. وهو موضوع لا يرتبط ببحثنا هنا .

ونقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله في فصل آخر قوله لعلي u (يا علي، أوتيت ثلاثاً لم يؤتهن أحد ولا أنا: أوتيت صهراً مثلي، ولم أوت أنا مثلي..) ورتب على ذلك أنه لو كان عثمان أو العاص بن أبي الربيع أصهارا للنبي لما كانت تلك ميزة لعلي u .

كما نقل كلاما لعبد الله بن عمر في جوابه لبعض الخوارج الذين سألوه عن عثمان فقال : أما عثمان، فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه. وأما علي، فابن عم رسول الله(ص)، وختنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون ..

فلو كان عثمان صهر النبي لأشار إلى ذلك .

* ووصل إلى نتيجة في الأخير وهي : إذا كنا نريد أن نكون أكثر دقة في حكمنا على الروايات التاريخية، فإننا لابد ان نفترض ـ على تقدير التسليم بولادة بنات النبي(ص) من خديجة ـ: أنهن قد متن وهن صغار، ولم يتزوجن من أحد.

فإن كان عثمان قد تزوج بمن اسمها رقية، وبعد موتها تزوج بمن اسمها أم كلثوم فلابد أن يكنّ لسن بنات النبي(ص). وإن تشابهت الأسماء.

الرأي المختار :

أقول : بعد هذا التطواف ـ على اختصاره ـ في نقل أدلة الطرفين ، يبدو للناظر أن ما أفاده المشهور من الرأي هو الأحرى بالقبول وأننا وفاقا لما قاله الكليني ورواه الصدوق والتزمه المفيد والطبرسي وابن شهراشوب والمجلسي والمازندراني من المتقدمين والأمين العاملي وهاشم معروف الحسني والشيرازي والسبحاني من المتأخرين نعتقد بأنهن كن بنات للنبي صلى الله عليه وآله [56].

نعم ينبغي أن تسجل هنا نقطة وهي أنه ليس من الصحيح توظيف هذا الزواج في الموضوع العقدي بحيث يكون بمجرده مفيدا فضيلة ومنقبة للزوج .. وذلك أننا نعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله ـ في غير موضوع الزهراء ـ لو جاء إليه أي مسلم من المسلمين خاطبا لزوجه ، باعتبار أن المسلم كفو المسلمة ، وأنه لا يمكن للنبي الذي جاء ليطبق هذه الأحكام على الناس أن لا يطبقها على نفسه .

غير أن موضوع الزهراء مختلف جدا ، فتزويجها جاء من السماء ، وبشخص خاص وكان من المقرر أن يكون امتداد النبي ذرية ورسالة في هذه الأسرة ..

ونفس شخصية فاطمة كانت غير باقي أخواتها ، ولهذا فقد كان النبي يلهج بذكرها ويعرّف الناس منزلتها ، ولم يصنع ذلك بباقي البنات ولا الأولاد فإنه أمين الله الذي لا ينطق عن العاطفة ولا تحركه ـ في هذا الجانب ـ مجرد مشاعر الأبوة وإنما ( هو وحي يوحى ) فلم يوحَ إليه في باقي البنات شيء استثنائي ولا الأولاد بينما كان ذلك بالنسبة لفاطمة الزهراء عليها السلام .

يبدو أن الذي جعل صاحب الاستغاثة يطرح فكرته تلك وهي إنكار بنوة هذه البنات ، هو دخول المسألة على خط صناعة الفضائل ، وهذا ما أشار إليه العلامة العاملي أيضا في نهاية بحثه حيث رأى أن هناك محاولة لتجريد أمير المؤمنين من فضيلة الصهر ومنقبته وصناعة ذلك لغيره ، فإذا كان لعلي نور فغيره ( ذو نورين ) ! .

وهذا الكلام يمكن أن يكون صحيحا ، ولكن المناسب هنا أن لا يتم إنكار واقعة تاريخية لأجل أن الغير قد استفاد منها استفادة غير صحيحة ، وإنما الصحيح هو أن يقال ـ مثلما فعل الشيخ المفيد ـ أن مجرد مصاهرة النبي ـ في غير فاطمة ـ لا يوجب منقبة وفضيلة استثنائية تماما  ، فلم يكن هناك اختيار من الله تعالى ، بل ولا من النبي . وإنما هو ضمن القواعد العامة في النكاح ، حيث لا يشترط فيه سوى ظاهر الإسلام .

وربما يقال : إن رأي المشهور يعني إثبات فضيلة ومنقبة للخليفة الثالث فلماذا الإصرار عليه   ؟

ونقول : إن الربط بين الأمرين غير صحيح كما تقدم ، ثم إن الموضوع التاريخي لا ينبغي في تحقيقه أن يُنطلق من منطلق عقدي وفكري لإثباته أو نفيه ، وإنما من الوقائع التاريخية .. وأيضا يمكن أن يقال : إن نفي بنوة بنات النبي أيضا محذور ينبغي الاجتناب عنه .

خديجة في الروايات

فضلى  نساء أهل الأرض :

يمكن معرفة فضلى  نساء أهل الأرض ، من خلال معرفة فضلى النساء في الجنة ، وذلك أن من يكون الأفضل في الجنة ، حيث ليس فيها محاباة ولا تقديم خاطئ ، فإنه الأفضل في هذه الدنيا بلا ريب .

ولعل ما جاء في أحاديث رسول الله من تحديد أناس في الجنة مثل قوله في خديجة وفاطمة ومريم وآسية ، أو كون الحسنين سيدي شباب أهل الجنة وما شابه ذلك ، فيه إشارة إلى تقدم هؤلاء الأشخاص في هذه الدنيا .

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن هذه الأحاديث ليس المقصود منها كيل المدح والثناء المجرد للتباهي والفخر وإنما لكي يوجه من يسمع هذه الأحاديث أو يراها إلى انتهاج منهجهم ، سواء كانوا على قيد الحياة ومعهم في الزمان أو سيأتون بعدهم ، حتى يميزوا الفئة الأفضل منهجا والأقرب إلى رسول الله طريقة من غيرها .

وضمن هذا الاتجاه فقد وردت روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله ، في شأن السيدة الصديقة خديجة بنت خويلد ؛ منها :

ما روي عن ابن عباس أنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط ثم قال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون [57] .

وفي الحديث أن جبرئيل قد قال لرسول الله  صلى الله عليه وآله ليلة المعراج : حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام[58].

زوجة النبي الأولى في الجنة :

ليس معلوما أن كل نساء النبي في الدنيا هن نساؤه في الجنة ، وذلك لأن معادلة الزواج في الدنيا تختلف عن معادلتها في الجنة لا ريب . ففي الدنيا لا يعدو الأمر عن كفاءة الاسلام ، فـ ( المسلم كفو المسلمة ) . غير أن الأمر يختلف في الجنة لكي تضاف إلى ذلك وجود مرتبة من الفضل تكون فيها المرأة مؤهلة بحسب تلك المرتبة للزواج بالنبي .

وقد أشرنا في صفحات سابقة إلى ما نقل عن عمار بن ياسر في هذا الشأن وقلنا بأنه لو تم من حيث السند فإنه لا يكون حجة إذ أن عمار لم ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أو إلى المعصوم . بل الحديث الموجود يشير إلى أن زوجات النبي هن  بعد خديجة : آسية ومريم وكلثوم . وكأن ما هو موجود في الحديث يشير إلى أن الأصل هي خديجة ..

فقد روى الشيخ الصدوق في الفقيه فقال : دخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على خديجة ( عليها السلام ) وهي لما بها[59] ، فقال لها : بالرغم منا ما نرى بك يا خديجة ، فإذا قدمت على ضرائرك فاقرأيهن السلام ، فقالت : من هن يا رسول الله ؟ فقال : مريم بنت عمران ، وكلثم أخت موسى ( عليه السلام ) ، وآسية امرأة فرعون ، فقالت : بالرفاء [60] يا رسول الله[61] ..

ويلاحظ هنا مقدار السمو الأخلاقي لدى السيدة الطاهرة خديجة في تمنيها السعادة والألفة للرسول مع باقي النساء مع أن هذا على خلاف الحالة العادية بين المرأة وشريكاتها ( ضرائرها ) .. فقد وجدنا بعض نسائه صلى الله عليه وآله يتغايرن إلى حد تآمر بعضهن على بعض ، وكسر بعضهن آنية البعض .

 كما يلاحظ مقدار المحبة والحنان الذي يمتلكه النبي تجاه هذه السيدة حيث يتألم بعمق قائلا : بالرغم منا ما نرى بك يا خديجة .

خديجة للنبي : بيتي بيتك وأنا جاريتك !

ولما اختارت رسول الله زوجا وكانت المبادرة في ذلك ، وجاء النبي صلى الله عليه وآله إلى بيتها معه أعمامه خاطبين خديجة وخطب أبو طالب خطبته المعروفة ، وتم ما جاؤوا من أجله ، قام  صلى الله عليه وآله فلما أراد يذهب مع أبي طالب قالت خديجة : إلى بيتك ، فبيتي بيتك ، وأنا جاريتك [62].

ثالث الموحدين على وجه الأرض عصر النبي :

إذا كانت السيدة خديجة أول نساء النبي وأعظمهم مرتبة وقدرا وشرفا ، وأول نسائه في الجنة ، وثانية النساء الفضليات في الجنة مقاما ، فهي ثالثة الموحدين على وجه الأرض بعد النبي صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب .. بل كانت معهما وليس هناك أحد يعبد الله غيرهم على الطريقة الصحيحة .

 فقد روى يحيى بن عفيف  ، عن أبيه قال : كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بمكة قبل أن يظهر أمر النبي صلى الله عليه وآله فجاء شاب فنظر إلى السماء حين تحلقت  الشمس ، ثم استقبل الكعبة فقام يصلي ، ثم جاء غلام فقام عن يمينه ، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما ، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة ، ثم رفع الشاب فرفعا ، ثم سجد الشاب فسجدا.

 فقلت : يا عباس ، أمر عظيم !.

 فقال العباس : أمر عظيم .

ـ أتدري من هذا الشاب ؟ هذا محمد بن عبد الله – ابن أخي –

ـ أتدري من هذا الغلام ؟ هذا علي بن أبي طالب – ابن أخي –

ـ أتدري من هذه المرأة ؟ هذه خديجة بنت خويلد .

إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه – رب السماوات والأرض – أمره بهذا الدين الذي هو عليه ، ولا والله ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة [63] . .

وقد نقل الحادثة أكثر أرباب الجوامع الحديثية ، والعلماء في كتبهم ، مع شيء من التفصيل أو الاجمال ، فقد نقل الشريف المرتضى الحادثة هكذا  عن عفيف  قال :

إن أول شيء علمته من أمر رسول الله  أننا قدمنا مكة فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم ، فبينا نحن جلوس إذ أقبل رجل من باب الصفا عليه ثوبان أبيضان على يمينه غلام مراهق أو محتلم تتبعه امرأة قد  سترت محاسنها حتى قصدوا الحجر فاستلمه والغلام والمرأة معه ، ثم طاف بالبيت سبعا والغلام والمرأة يطوفان معه ، ثم استقبل الكعبة وقام فرفع يديه وكبر وقام الغلام على يمينه وكبر وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها وكبرت فأطال الرجل القنوت ، ثم ركع فركع الغلام والمرأة معه ، ثم رفع رأسه فأطال القنوت ثم سجد وهما يصنعان ما يصنع .

فلما رأينا شيئا ننكره ولا نعرفه بمكة أقبلنا على العباس فقلنا : يا أبا الفضل إن هذا الدين ما كنا نعرفه فقال : أجل والله ما تعرفون هذا قلنا : ما تعرفه ؟ قال : هذا ابن أخي محمد بن عبد الله وهذا علي بن أبي طالب وهذه المرأة خديجة بنت خويلد والله ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة[64] .

تهجرها نساء قريش وتحضرها نساء الجنة :

 

 عن المفضل بن عمر ، قال : قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) : كيف كانت ولادة فاطمة عليها السلام ؟ قال : نعم ، إن خديجة  رضوان الله عليها  لما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله  هجرتها نسوة مكة ، فكن لا يدخلن عليها ، ولا يسلمن عليها ، ولا يتركن امرأة تدخل عليها ، فاستوحشت خديجة من ذلك . فلما حملت بفاطمة ، وكانت خديجة تغتم وتحزن إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكانت فاطمة تحدثها من بطنها ، وتصبرها ، وكان حزن خديجة وحذرها على رسول الله .

وكانت خديجة تكتم ذلك عن رسول الله  صلى الله عليه وآله  ، فدخل يوما ، فسمع خديجة تحدث فاطمة ، فقال لها : يا خديجة ، من يحدثك ؟ ! قالت : الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني .

فقال لها : يا خديجة ، هذا جبرئيل يبشرني بأنها أنثى ، وأنها النسمة الطاهرة الميمونة ، وأن الله تعالى سيجعل نسلي منها ، وسيجعل من نسلها أئمة في الأمة ، ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه . فلم تزل خديجة عل ذلك إلى أن حضرت ولادتها ، فوجهت إلى نساء قريش وبني هاشم ليلين منها ما تلي النساء من النساء . فأرسلن إليها بأنك عصيتنا  ، ولم تقبلي قولنا ، وتزوجت محمدا ، يتيم أبي طالب ، فقيرا لا مال له ، فلسنا نجيئك ، ولا نلي من أمرك شيئا  ، فاغتمت خديجة لذلك .

 فاغتمت خديجة عليها السلام لذلك ، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنهن من نساء بني هاشم ، ففزعت منهن لما رأتهن ، فقالت إحداهن : لا تحزني يا خديجة فأرسلنا ربك إليك ، ونحن أخواتك ، أنا سارة ، وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة ، وهذه مريم بنت عمران ، وهذه كلثوم أخت موسى بن عمران ، بعثنا الله إليك لنلي منك ما تلي النساء ، فجلست واحدة عن يمينها وأخرى عن يسارها والثالثة بين يديها والرابعة خلفها ، فوضعت فاطمة طاهرة مطهرة [65]..

([1]) {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} سورة هود آية 61.

([2]) {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} سورة الحج آية 65.

([3]) {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} سورة البقرة آية 29.

([4]) {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} سورة الإسراء آية 70.

([5]) سورة النحل آية 97.

([6]) الري شهري، محمد، ميزان الحكمة ج7، عن الإمام الصادق u .

([7]) الري شهري، محمد، ميزان الحكمة ج7. وقد ذكرنا في كتاب (الحياة الشخصية عند أهل البيت ) أنه ليس المقصود من هذه الأحاديث الحب الشهواني والمبالغة فيه، فإن ذلك مذموم في أحاديث أخرى حيث جعل أول ما عصي الله تبارك وتعالى به ست خصال: إحداها حب النساء.. بهذا المعنى الشهواني.

([8]) تؤمن المحاكم في فرنسا الدفاع عن الزوجة من احتجاجات زوجها، وهناك عدة قضايا حُكم فيها على الزوج أن لا يتدخل في الشؤون التي تخص زوجته بعدما اعترض على علاقاتها مع آخرين مع أنها زوجته!!

[9] ) سورة الحديد 10

[10] ) مسند احمد ح 23719

([11]) سورة الحديد آية 10.

([12]) ورد في الروايات أن الله قد لقبها بالمباركة وأي بركة أعظم من كون نسل الرسول  صلى الله عليه وآله  لم يستمر الا منها، فهي أم الكوثر.

[13] ) قال الزيعلي في تخريج الأحاديث والأخبار 4/ 67 ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد …)  قلت : رواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة فقال حدثنا سليمان بن أحمد ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمع مرة يحدث عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع .. انتهى كلام الزيلعي . أقول : الغريب أن البخاري ومسلما قد اقتصرا على ذكر مريم وآسية !! وكأنهما استكثرا أو الراوي على خديجة وفاطمة أن تكونا كاملتين كمريم وآسية !! وأما غيرهما فقد جعل الكاملات ثلاثا !! ، فقد نقل ابن كثير في تفسيره 1/ 371 .. من طريق شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد !!

([14]) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، أصول الكافي ج5 ص375.

([15]) أما ما يذكره البعض من أنها قامت إلى أبيها فسقته الخمر، وتم العقد وهو ثمل، حتى إذا أفاق قام صاخباً!! فهذا لا يقوله إلا جاهل ذلك أن أباها قد توفي قبل هذا بفترة طويلة.. وهكذا الزعم بأن عمها لم يكن موافقا على الزواج وأنه كادت أن تحدث معركة لأجل ذلك فهذا أسوأ من سابقه لأن خديجة كانت ذات شخصية استثنائية وكانت سيدة قريش ولم يكن لأحد عليها أمر ولا نهي حتى يوافق أو يأبى!!

([16]) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج 15 ص401.

([17]) سورة التحريم آية 10.

([18]) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، ج1 ص176.

([19]) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج19 ص63.

([20]) ورد في حديث لرسول الله  إشارة إلى أن الله قد وهبه الذرية منها بينما حرمت الباقيات عن ذلك، لما سمع إحدى نسائه تنتقد خديجة.

([21]) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج19 ص20.. والجدير ذكره أن هذا النص يكشف عن أسماء زوجاته  من أهل الدنيا وأما ما قيل من أن زوجاته في الدنيا هن زوجاته في الآخرة فلا يثبت. وما نقل سواء في البخاري أو في مسند احمد ليس مسندا لرسول الله   بل هو لو تم سنده كلام لعمار وليس لرسول الله.

[22] ) فضائل الصحابة – النسائي – ص 76

[23] ) مسند احمد بن حنبل 4/394

[24] )ذكره  الإمام الشافعي في كتاب الأم 1/ 189 مرويا عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال :  تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا “

وشبيه بهذا اللفظ أورده الشيخ الكليني في الكافي 8 / 177 في حديث مرفوع عن الإمام الصادق عليه السلام :أنه قال : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الاسلام  أصل.

[25] ) ذكره ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 19 / 173 فقال : وكان أبو سفيان صار إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي وكانت لأبي مريم بعد صحبة فقال أبو سفيان لأبي مريم بعد أن شرب عنده قد اشتدت به العزوبة فالتمس لي بغيا ! قال :  هل لك في جارية الحارث بن كلدة سمية امرأة عبيد ؟ قال هاتها على طول ثدييها وذفر إبطيها فجاء بها إليه فوقع لها فولدت زيادا فادعاه معاوية .

[26] ) الحديد: من الآية10

[27] ) كابن اسحاق في السيرة 5/229 والرازي في تفسيره 27/186 والقرطبي كذلك 14/242 وابن سعد في الطبقات 8/217 وأيضا في الجزء 7 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق 3/130 وابن الأثير في أسد الغابة 1/16 وغيرهم ..

[28] ) تاريخ الأئمة (المجموعة) – الكاتب البغدادي – ص 15 – 16 وقد ذكر آية الله السيد المرعشي النجفي الذي أشرف على تجميع هذه المجموعة وطبعها ، وكتب مقدمة لها أن :  هذه مجموعة نفيسة حاوية للزبر والاسفار في مواليد الأئمة الأطهار ع ووفياتهم جمعتها بين الدفتين وبعضها لم ينشر بعد رجاء لان يستفيد منها المستفيدون من إخواني الاعلام والأفاضل والمشتغلين ثم ذكر فهرس هذه الكتب والرسائل .

[29] )   الخصال – الشيخ الصدوق – ص 404 قال :  حدثنا أبي ، ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما قالا : حدثنا سعد بن – عبد الله ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن علي بن  أبي حمزة ، عن أبي بصير ،

[30] ) الخصال – الشيخ الصدوق – ص 404 – 406 حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا  محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن خالد قال : حدثني أبو علي الواسطي ، عن عبد الله بن عصمة ، عن يحيى بن عبد الله ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن الصادق

[31]  ) ذكره الصدوق في الأمالي /522 ،والطبراني في المعجم الكبير 3/66 وفيه بلفظ ( خالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم بنات رسول الله ) ، والخزاز القمي في كفاية الأثر / 97 والموفق الخوارزمي في المناقب / 89 وابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين /194 ، والقندوزي في ينابيع المودة 2/  221 والتستري في إحقاق الحق /325وغيرهم ..

[32] ) ذكره ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب ج 3 – ص  105 فقال : وسأل بزل ( بديل ) الهروي الحسين بن روح رضي الله عنه فقال : كم بنات رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : أربع ، فقال : أيتهن أفضل ؟ فقال :  فاطمة ! قال : ولم صارت أفضل وكانت أصغرهن سنا وأقلهن صحبة لرسول الله ؟ قال : لخصلتين خصها الله بهما ، انها ورثت رسول الله ونسل رسول الله منها ، ولم يخصها بذلك إلا بفضل إخلاص عرفه من نيتها  .

[33] ) نهج البلاغة  2 / 68

[34]  ) وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 8 – ص 301

[35] ) المسائل السروية – الشيخ المفيد – ص 92 – 95 فقد كان في صدد مناقشة تفضيل عثمان بن عفان لجهة اقترانه ببنات النبي وقال إن ذلك مثلما هو الحال بالنسبة إلى اقتران عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع .. وهذا منه إشارة إلى تعدد البنات .

[36] ) كذلك نقله في المناقب ابن شهراشوب فقال :  وقال المرتضى رضي الله عنه : التفضيل هو كثرة الثواب بأن يقع إخلاص ويقين ونية صافية ولا يمتنع من أن تكون عليها السلام قد فضلت على أخواتها بذلك ، ويعتمد على أنها أفضل نساء العالمين بإجماع  الإمامية ، وعلى انه قد ظهر من تعظيم الرسول صلى الله عليه وآله لشأن فاطمة وتخصيصها من بين سائرهن ما ربما لا يحتاج إلى الاستدلال عليه .

[37] ) الأنوار الساطعة – الشيخ غالب السيلاوي – ص 143 – 144

[38] ) الصراط المستقيم 1/170

[39] ) في مصباح المتهجد 622 للشيخ الطوسي ذكر أن من ضمن أدعية شهر رمضان الصلاة على رقية وأم كلثوم بنتي النبي والتبري ممن آذى النبي فيهما ، وكذلك في التهذيب . وفي المقنعة للشيخ المفيد نفس ذلك في دعاء كل يوم من أيام شهر رمضان بعنوان كيفية الصلاة على النبي والأئمة  من آله ، ولكن هنا زينب ورقية . المقنعة المطبوعة في ضمن  الينابيع الفقهية .

[40] ) الكافي  1 / 439

[41] ) شرح أصول الكافي 7/144

[42] ) تاج المواليد (المجموعة) – الشيخ الطبرسي – ص 8  ـ .

[43] ) بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 22 – ص 152

[44] ) أعيان الشيعة 3/487 غير أن السيد الأمين رحمه الله  في ترجمة رقية بنت رسول الله في ذكر ما هو موجود في المتن هنا ، وأيضا ذكر ما قاله أبو القاسم الكوفي من كون رقية وزينب  ربائب .. وستأتي الإشارة إليه في أدلة القول الثاني  .

[45] ) أم المؤمنين خديجة الطاهرة /100

[46] ) أمهات المعصومين  /94

[47] ) سيد المرسلين 1/278

[48] ) موسوعة التاريخ الإسلامي 2 / 43

[49] ) (الأحزاب: من الآية59)

[50] ) فاطمة والمفضلات من النساء / 70

[51] ) ذكره النجاشي في كتاب الرجال ص 265 فقال : علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي ، رجل من أهل الكوفة كان يقول : إنه من آل أبي طالب ، و غلافي اخر أمره وفسد مذهبه وصنف كتبا كثيرة أكثرها على الفساد .

والشيخ الطوسي أيضا في الفهرست فقال : علي بن أحمد الكوفي ، يكنى أبا القاسم ، كان اماميا مستقيم الطريقة ، وصنف كتبا كثيرة سديدة ، منها كتاب الأوصياء  ، وكتاب في  الفقه على ترتيب كتاب المزني ، ثم خلط وأظهر مذهب المخمسة ، وصنف كتبا في الغلو والتخليط ، وله مقالة تنسب إليه .. انتهى .

 والمخمس من الغلاة هم الذين يقولون إن سلمان الفارسي والمقداد وأبا ذر وعمار وعمر بن أمية الضمري هم  الخمسة الموكلون بمصالح العالم من قبل الرب ! .

[52] ) الاستغاثة /64

([53]  الصحيح أن الصديقة فاطمة هي صغرى بنات رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في جواب الحسين بن روح .

([54]  هناك أقوال أخر في تاريخ زواجهما عليهما السلام يذهب بعضها إلى  أنه كان قبل عشرين سنة قبل البعثة وبعضها إلى ست عشرة أو خمس عشرة سنة ، ولعل ما هو مشهور من كونه قد بعث على الأربعين من العمر وأنه تزوج خديجة وهو في الخامسة والعشرين يؤيد أن الزواج كان قبل خمس عشرة سنة من البعثة كما ذكره ابن اسحاق في السيرة .

[55] ) تقدم في صفحات سابقة ما عن الشيخ اليوسفي الغروي في موسوعة التاريخ من خبر هجرة أم كلثوم فراجع .

[56] ) هذا بالرغم من أننا في كتاب نساء حول أهل البيت ربما توقفنا  في هذا الرأي ، ولكن استقر الأمر  هنا عليه .

[57] ) بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 29 – ص 345

[58] ) مستدرك سفينة البحار – الشيخ علي النمازي الشاهرودي – ج 3 – ص 32

[59] ) أي اشتد بها المرض وهي تحتضر .

[60] ) دعاء من قبلها للنبي بحصول الألفة بينه وبين زوجاته الأخريات المذكورات.

[61] ) نقله ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/119  وابن كثير في التفسير ولكنه وصفه بأنه ضعيف !4/416 وقال في البداية والنهاية إنه وبعض الأحاديث الأخرى في فضل خديجة في أسانيدها نظر ! فهل ذلك بسبب مخالفة الحديث لبعض ما يعتقده ابن كثير ؟

 ([62] المصدر السابق

[63] ) الإرشاد – الشيخ المفيد – ج 1 – ص 29 – 30

[64] ) الفصول المختارة – الشريف المرتضى – ص 273 – 274

[65] ) دلائل الامامة – محمد بن جرير الطبري  – ص 77