الميديا الدينية ؛ بحث في المنظور الإسلامي للإعلام الفضائي (2)

کلمات مفتاحیة:

أسهمت عوامل وتحولات إقليمية ودولية بصورة جذرية في إحداث طفرة غير مسبوقة في ولادة القنوات الدينية. لعل من أبرز هذه العوامل ما شهده العالم من حضور للإسلام على الساحة الدولية بعد سقوط الشيوعية. وكذلك بداية انتشار ثقافة العداء للإسلام بعد التفجيرات الإرهابية في نيويورك في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. وقد كان واضحاً دور الميديا والقنوات التلفزيونية في إذكاء ثقافة العداء بين الإسلام والغرب.وهكذا لم تكن أطروحة الخوف من الإسلام، «الإسلاموفوبيا» على سبيل المثال مجرد مصطلح عارض بعد الحادي عشر من ايلول 2001.

الاجتهاد: في هذا البحث نقرأ للباحث الإيراني محمد رضا زائري رؤية نظرية وتطبيقية للإعلام الديني من منظور إسلامي، حيث يتطرق إلى مفهوم الإعلام في ضوء النص القرآني وما ورد بشأنه في التراث العربي الإسلامي. في الجانب التطبيقي ناقش الباحث ظاهرة القنوات الفضائية وطريقة أدائها والثغرات التي تواجهها. «المحرر»

القنوات الدينية الإسلامية: ظروف النشأة وشروط الولادة

اعتمد الخطاب الديني في عصور الإسلام الاولى على وسيلة الاتصال الشخصي الجماعي وخاصة في المساجد كأمكنة دينية جامعة. إذ كان يلتقي فيها طلاب العلم الفقهاء والعلماء خلال حلقات درس اتخذت فيما بعد نهجاً منتظماً كان له عظيم الأثر في نشر علوم الدين. كانت المساجد أشبه بجامعات إسلامية يتزود الناس فيها بعلوم الدين ويتفقهون بالمسائل المرتبطة بحياتهم اليومية إلى جانب انتشار حلقات تحفيظ القرآن الكريم.

وإلى جانب الإعلام بوسيلة الاتصال الشخصي والجمعي (أوالجماعي) كانت هناك وسيلة تدوين المخطوطات ونقلها، وكانت هذه الوسيلة بديلا من الوسائل الطباعية الحديثة المعروفة الآن. وكثير من أمهات الكتب الدينية الموجودة اليوم، نُقِلت وطُبعت في العصر الحديث عن أصول مخطوطات قديمة كتبت في عصورها بأيدي كاتبيها من العلماء[35].

واذا كان من استعراض تاريخي مكثف لتطورات الخطاب الديني الإسلامي، فيمكن العودة إلى بدايات ازدهاره بظهور المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وقد تمثل ذلك عبر انتشار الكتب المطبوعة واقتناء الناس لها وتزايد أعداد طلاب العلم، وتعدد المعاهد الدراسية الدينية في مختلف المجتمعات الإسلامية.

ويمكن القول في هذا المضمار إن الخطاب الديني احتل مكانة متواضعة جداً في البداية مع ظهور الإذاعة والتفلزيون في القرن العشرين. جرى ذلك على شكل برامج دينية كانت تتمثل غالبا في أحاديث وقراءات دينية إلى جانب تلاوة بعض آيات القرآن الكريم، ثم تنوعت محتويات الخطاب الديني الإعلامي وأساليبه لتأخذ صيغاً مختلفة مثل الندوة الإذاعية، الدراما الدينية، المسلسل الديني، آذان الصلاة، الى خطبتي الجمعة وغيرها.

ثم اتجه الرأي نحو انشاء إذاعات دينية متخصصة تكون بمنزلة ركيزة أساسية للإعلام الديني، فأنشئت إذاعات القرآن الكريم في مصر والمملكة العربية السعودية وإذاعة نداء الإسلام في مكة المكرمة، وحذت الجزائر هذا الحذو بإنشائها في التسعينيات من القرن العشرين إذاعة القرآن الكريم، ونعتقد أن معظم الدول الإسلامية أنشأت إذاعات دينية خاصة بالقرآن الكريم.

كذلك يمكن الحديث هنا عن تنامي الفضائيات الدينية في المجتمع الإسلامي مع ظهور قنوات «المجد» و»الرسالة»، و»سمارتس» و»المنار» و»الفجر»، وهدى باللغة الإنجليزية وقبلها بظهور قناة اقرأ التي مهدت لظهور هذه القنوات الفضائية الدينية وأعطت صبغة وتصوراً جديدين للخطاب الديني في وسائل الإعلام الحديثة[36].

ويركِّز باحثون في الشأن الإعلامي الديني على مجموعة مجالات تؤلف على الجملة مادة نشاط الإعلام الديني الفضائي اليوم. يشير هؤلاء بداية إلى المساجد: الصفحات الدينية في الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية الدينية المتخصصة؛ والبرامج الدينية في الراديو؛ والتلفزيون؛ إلى المواد والمحتويات الإعلامية التي تعكس صوراً من الثقافة الإسلامية مثل المسلسلات وبعض البرامج الثقافية الرمضانية ناهيك عن الأفلام الدرامية الدينية مثل: «الرسالة»، «القادسية»، «عمر المختار»، «أهل الكهف»؛ «مريم العذراء» إلخ؛ وكذلك الأفلام الوثائقية (التسجيلية) عن الآثار الإسلامية ومناسك الحج الخ..[37].

في أي حال، فإن الإعلام الإسلامي في ظروفنا المعاصرة حتى الثمانينيات من القرن العشرين هو صورة من صور الإعلام المتخصص أي ما سمي بـ «الإعلام الديني»[38]. بمعنى أن الإعلام الديني هو الجزء المتخصص في قضايا الوعظ والإرشاد والتبليغ وتعليم الناس الأمور الخاصة بدينهم. وهو الإعلام والخطاب الديني المرتبط بالفروع وليس بالأصول، لأن الأصول هي من مهمة الإعلام الإسلامي ككل.

والإعلام الإسلامي- كما يقول باحثون – هو إعلام شامل وكامل بشمول العقيدة الإسلامية وكمالها، ولا يرتبط فحسب بالقضايا الدينية، وإنما يتعداها الى جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخ. والإعلام في مثل هذه الحالة إسلامي في صدق أخباره، إسلامي في الترويح والتسلية، إسلامي في إعلاناته وإسلامي في تعليمه، وإسلامي أيضاً في شرح الأخبار وتفسيرها[39].

مرحلة البث الفضائي

مع بداية العام 2001 شهد الفضاء العربي ميلاد ثلاث قنوات تلفزيونية تبث عبر الأقمار الصناعية وهي بالتتابع قناة “إقرأ” التابعة لشركة راديو وتلفزيون العرب “ART”، ثم قناة “طيبة والت” التي أعلن عن تأسسها في إمارة دبي من العام نفسه، وهذه القناة التي كان من المقرر أن تبدأ بثها المباشر مطلع عام 1424هـ ـ 2004م، إلا أن ظروفاً تقنية حالت دون ذلك، أما القناة الثالثة فهي قناة الرحمن التي تبث من جاكرتا عاصمة أندونيسيا. بعد هذا التاريخ شهد العالمان العربي والإسلامي انطلاق العشرات من القنوات الفضائية الدينية التي تبث باللغة العربية[40].

لقد شهدت نهاية القرن العشرين الماضي وبداية الألفية الثالثة ما يمكن أن ندعوه انفجاراً في عدد القنوات الفضائية العربية وتنوع توجهاتها واختصاصاتها، ولأول مرة يترافق البث التلفزيوني (الصورة) مع الإرسال الإذاعي (الصوت).

وبنتيجة ذلك صار في الإمكان تلقي الإرسال الإذاعي ليس عبر الموجة القصيرة أو المتوسطة، بل عبر الخدمة التي تقدمها الأقمار الصناعية، والتي تكاثرت هي الأخرى في الفضاء الخارجي، ووُظفت لخدمة الاتصالات وبث القنوات المنطلقة من الأقطار العربية[41]. في المقابل أزهرت ما يمكن تسميتها مدن الإنتاج التلفزيوني العربي وأهمها في مدينة القاهرة ومدينة دبي، للتحول إلى قاعة نشطة لصناعة البرامج المختلفة ولتلبي الحاجة المتزايدة للقنوات العربية السياسية وغيرها، وفي ظل أوضاع تنافسية شديدة، إلى الظفر بالأسواق وبالتالي باهتمام المشاهد العربي ومن ثم المعلنين التجاريين.

بالإضافة الى ذلك أسهمت شبكة الأقمار الصناعية في توفير خدماتها التكاملية التواصلية في الفضاء، الإمكانية للقنوات التلفزيونية العربية لتوسيع تغطيتها لتتجاوز الحدود الجغرافية للوطن العربي نحو المحيط الإقليمي المجاور ثم تنتقل إلى قارات العالم الأخرى وبوجه خاص إلى أوروبا وأميركا الشمالية.

وبتكاثر القنوات التلفزيونية الخاصة، انتهت عملياً سيطرة الدولة على البث التلفزيوني، وأضحى التلفزيون الفضائي، بوصفه وسيلة إعلامية أشبه بالصحف الخاصة في مطلع القرن الماضي، وتحولت القنوات الفضائية إلى منابر إعلامية متنوعة الأهداف والمواقف، وشديدة التعبير عن الخارجة السياسية للقوى والتوجهات الفكرية والاجتماعية السائدة في الوطن العربي.

وفي إطار هذا الكم الكثير والمتنوع من المنابر الإعلامية المنطلقة عبر الفضاء، وفي سياق نظام تواصلي سمعي بصري شديد الفاعلية والتأثير في المتلقي، ونظام متنوع في مادته وتوجهاته السياسيةوالاجتماعية والفكرية، كانت النخب العربية توجد بكثافة وفاعلية على الشاشة، كمحيط خصب لتبادل الآراء والأفكار، ولممارسة دورها في التأثير المباشر، وجاء فعل الحراك الشعبي المعبر عن انتفاضة الشارع العربي تحدياً للمشهد الإعلامي العربي بأسره، ولم تعد الأجندات التقليدية لأداء الآلة الإعلامية بكل وسائلها وممكناتها خارج الزلزال الكبير.

هنا حدث التحول الجذري في توالي الهزات الارتدادية في مواقف النخب العربية إزاء التمردات الفكرية وانعكاساتها العفوية في صفحات المشهد الإعلامي، ولم تعد قضية إشباع الحاجات المعرفية للمتلقي كافية لتلبية الاستجابة لفعل التغيير عبر الحراك، وكان على النخب العربية أن تختار بين البقاء في صوامعها التقليدية (التيارات التقليدية والأحزاب وغيرها من أشكال التنظيم) أو توجد على ساحة الإعلام والإعلام الفضائي بوجه خاص، ذلك الإعلام الذي توحد مع الحراك وأضحى جزءاً من واقعه اليومي ومعبّراً عن نبضه وفعله وطموحه، وكان الانحياز السريع هو أن تكسر النخب شرنقتها، وتشق عصا الطاعة على تقاليدها وآلياتها السابقة وتختار التفاعل مع حركة الجماهير عبر دفق الصورة التلفزيونية الحية والمباشرة[42].

«الميديا» وثقافة الخوف من الإسلام

أسهمت عوامل وتحولات إقليمية ودولية بصورة جذرية في إحداث طفرة غير مسبوقة في ولادة القنوات الدينية. لعل من أبرز هذه العوامل ما شهده العالم من حضور للإسلام على الساحة الدولية بعد سقوط الشيوعية. وكذلك بداية انتشار ثقافة العداء للإسلام بعد التفجيرات الإرهابية في نيويورك في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. وقد كان واضحاً دور الميديا والقنوات التلفزيونية في إذكاء ثقافة العداء بين الإسلام والغرب.

وهكذا لم تكن أطروحة الخوف من الإسلام، «الإسلاموفوبيا» على سبيل المثال مجرد مصطلح عارض بعد الحادي عشر من ايلول 2001. وإنما كانت أقرب إلى عنوان كبير يعكس حقائق واقعية في رؤية أميركا والغرب عموماً للعدو الجديد الذي هو الإسلام، بعد انهيار الشيوعية في العالم.

في هذا الإطار يوضح البروفسور أميرعلي[43] في دراسة له بعنوان «الإسلاموفوبيا في أميركا» أن هناك فئتين في الغرب تروِّجان لمقولة الخوف من الإسلام هما شركات «الميديا» المعادية للمسلمين- وطريقة عمل وسلوك الوسط الإيديولوجي الإسلامي الذي يعيش في الغرب وبخاصة منه الوسط المتضامن مع تنظيم القاعدة.

الفئة الأولى هم الذين نبشوا معلومات (خاطئة أو مضلّلة) عن الإسلاموفوبيا من مواد عمرها ألف عام خلفها وراءهم الصليبيون في أوروبا وقدمت بلغات حديثة، و/أو ابتكروا أفكاراً ومناهج جديدة لتوليد الإسلاموفوبيا، والترويج لها، ونشرها في العالم بأسره، ولا سيما في الغرب. يمكن تقسيم مروجي الإسلاموفوبيا إلى ثلاث فئات فرعية هي: (أ) الأصوليون العلمانيون، (ب) الأصوليون الصهاينة، (ج) الأصوليون المسيحيون الذين يعرفون بحركة الولادة الثانية والحركة الإنجيلية، هذا فضلاً عن (د) الأصوليين الهندوس و(هـ) السلافيين، وكل مجموعة لها أجندتها الخاصة ضد الإسلام.

أما الفئة الثانية: فتنتمي الى منظمات إيديولوجية إسلامية يمكن تصنيفها بمجموعتين: (أ) الحركات الاسلامية المزّيفة و(ب) مسلمو الهامش. ويحظى بعضهم في هاتين المجموعيتن بدعم مباشر أو غير مباشر من القوى المعادية للإسلام في أنحاء العالم، ولا سيما الغرب. وأهل هذه الفئة ليسوا مسؤولين عن توليد «الإسلاموفوبيا» ولا يروجون لها، وإنما يسهمون فيها بشكل خامل عبر معتقداتهم التجديفية أو ممارساتهم وسلوكياتهم التي لا تمت إلى الإسلام بصلة. هذا فضلا عن أن بعضهم في هاتين المجموعتين لا يعي النشاطات التي يمارسها أعداء الإسلام، أو يخجل من الجهر بمعتقداته، أو يتصف باللامبالاة والرضا الذاتي، أو لديه استراتيجيات لمحاربة الإسلاموفوبيا[44].

واستناداً الى أبحاث ميدانية أجرتها لجنة رانيميد المتخصصة بقضايا الأقليات المسلمة في بريطانيا تظهر وقائع «الإسلاموفوبيا» ضمن صور ومظاهر متعددة يمكن إجمالها على النحو الآتي:[45]

«ينظر إلى الثقافات الإسلامية على أنها كتلة واحدة لا تتغير.

المزاعم التي تقول إن الثقافات الإسلامية مختلفة كلياً عن الثقافات الأخرى.

ينظر إلى الإسلام على أنه تهديد جسيم.

د ـ انتقادات المسلمين للثقافات والمجتمعات الغربية مرفوضة تلقائياً.

هـ ـ الانتقادات الإسلامية للثقافات والمجتمعات الغربية مرفوضة مسبقاً.

و ـ رهاب الإسلام مقترن بالعدائية العنصرية تجاه المهاجرين.

ز ـ الافتراض بأن الإسلاموفوبيا أمر طبيعي ولا يثير الجدل[46].

وتبيِّن الأبحاث والاستطلاعات الميدانية لنشاط الإعلام الغربي في سياق ترويجه لـ «الإسلاموفوبيا» عمق التدخل حتى في أبسط الممارسات الدينية والتقاليد القومية التي يمارسها المسلمون عامة ومسلمو أميركا خاصة.

ففي البرامج التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي مناظرات ومداخلات تعكس اعتقاد الغرب بأن المسلمين يقمعون نساءهم، وجميع الرجال متعددو الزوجات، والعنف من أساليب حياتهم، والإسلام يفرض الحكم الديكتاتوري ويجيزه، ويخالف الديمقراطية، والشريعة الاسلامية بترت أذرع وأيدي جزء من المواطنين بسبب جرائم تافهة ارتكبوها، وشنقت وقتلت الكثير منهم لأي مخالفة، والمسلمون يمتطون دوماً الجمال ويعيشون في خيم.

هذا ويظنون بأن المجتمع الإسلامي لا يحكمه أي قانون. وفي الولايات المتحدة، يمتنع الكثيرون من غير المسلمين عن دخول مركز إسلامي أو مسجد خوفاً على حياتهم. في حين لم يسبق أن تعرض أي شخص غير مسلم لأي فعل عنيف في أي تجمع إسلامي. في المقابل، وقعت مئات أعمال العنف ضد المسلمين، وأماكن تجمعهم، ودور عبادتهم.[47]

عن دور وسائل الإعلام يقول البروفيسور غوردن كونواي رئيس لجنة رانيميد حول المسلمين البريطانيين والإسلاموفوبيا[48]. «من المجحف والظلم تصوير مجتمع ينتمي الى الدين الاسلامي الذي يعود تاريخه إلى أربعة عشر قرناً في قالب شيطاني. فالإسلام هو الدين الذي يعتبر الأسرع انتشاراً في الولايات المتحدة، ولا يمكن أن يكون دين شياطين. فإدانة المسلمين في الولايات المتحدة هي إدانة للبيض، والسود، والأميركيين ذوي الاصول اللاتينية الذين يعتنقون الاسلام.

ونحو ثلثي المعتنقين الحديثين للإسلام هم من النساء، وغالبيتهم من البشرة البيضاء، فهل جميعهم مجانين وأغبياء؟ هناك استخدام مفرط لحقوق حرية الصحافة الواردة في قانون التعديل الأول لمهاجمة ما بين خمسة وتسعة ملايين مواطن أميركي (وهم بصدد الازدياد). وذلك إن دل على شيء فعلى أن الاسلام والمسلمين لا يحظون بتمثيل عادل وكاف في وسائل الإعلام. فالإسلام ليس ديناً غريباً كلياً عن الولايات المتحدة لأنه وصل إلى هذه القارة مع وصول الشعب الإفريقي الذي كان حراً إنما استعبده بالقوة تجار الرقيق الأوروبيون والأميركيون»[49].

فلو تم على سبيل المثال تشغيل جهاز التلفاز على برنامج حواري مثل جيرالدو، وريكي لايك، وجيني جونز، جيري سبرينجر، وساليس جيسي رافاييل وغيرهم، سيجد المشاهد حالات كثيرة عن سوء معاملة النساء، أو السفاح، أو أمور غريبة إنما لا أحد يصنفها كأعمال قام بها مجتمع مسيحي، أو يهودي، أو علماني، أو ملحد، بل ينظر إليها على أنها جرائم قام بها أفراد. لكن حين يرتكب مسلم جرماً ما، يصنَّف على أنه عمل قام به مسلم، والأسوأ أنه يروج لذلك على أنه عمل مشتق من التعاليم الإسلامية.

«إن من الظلم – كما ورد في دراسة لجنة راينميد- أن تقوم وسائل الإعلام بالتشهير بالإسلام والمسلمين مع العلم أن مسؤوليتها وضع إرشادات عامة لتنظيم النفس. وفي هذا الوقت، لا نقترح إصدار أي تشريع لوقف الإسلاموفوبيا في وسائل الإعلام، إنما على هذه الأخيرة تعيين صحافيين مسلمين بين طاقمها ومنحهم فرص مشاركة كاملة. فضلا عن ذلك، على الصحافيين غير المسلمين التعلم عن الإسلام والمسلمين وتلقي بعض التدريب في مسألة التوعية[50].

ثم يلاحظ أن ما يجري بثه يومياً على شاشات التلفزة وشبكات التواصل، يفضي إلى أن الفرد في العالم الإسلامي يخضع للجماعة ولقيادة دينية ذات هيبة، في حين أن حرية الفرد في الغرب المحرر من الإكراه السياسي، والديني، والثقافي، مسألة مقدسة في نظام اجتماعي يحد من الاستغلال العشوائي للسلطة الشخصية[51].

لكن رداً على مثل هذه الانتقادات، يضع المسلمون المعاصرون الحرية على مستوى المجتمع، مجادلين بأن الغرب أصبح في غربة عن نفسه، إذ يضع المصلحة الذاتية فوق كل اعتبار. وهذه الانتقادات «للآخر» هي على ارتباط وثيق بالصراع السياسي وسياسة تبرير الذات العقائدية، حيث الهدف الأعلى المنشود أكثر أهمية من آثار العمل الذي يقوم به المرء. وهكذا غالباً ما تلازم الخطاب الغربي حول الحرية والديمقراطية على سبيل المثال بالدعم للقادة القمعيين، تماماً كما استخدمت الدعوات للقيم الروحية والمجتمعية الإسلامية للدفاع عن أعمال تعتبر نقيضة لها[52].

وعلى الرغم من تعدد الصور عن الغرب في الشرق الأوسط المسلم وتقلبها، تنتقل الأفكار المكونة عن الخصم الى مقدمة الوعي عند اشتداد حدة الخلافات السياسية.

ففي لحظة الاحتدام، كما هو حاصل في مناخ ما قبل وما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سوف تصحو ذكريات الحروب الدينية والاستعمار وتذكر كأساس لعدم الثقة في الدوافع الغربية. وعندما تشيع الصور التي تصف شدة معاناة العرب والمسلمين على يد غير المسلمين، يسود مناخ من الدفاعية والغضب الأخلاقي.

فها هي ذي أميركا تصبح قوة عظمى يجب على السياسيين التودد إليها ولكن لا يستطيعون التأثير فيها، أو مقاومتها، أو حتى فهمها عندما تصيغ سياسات تشجع انعدام المساواة على المستوى السياسي والاقتصادي: فالنفط يتدفق بحرية من بلاد الملوك الإقليميين الأثرياء، والمستوطنون الإسرائيليون يبنون مستوطنات جديدة على الأراضي الفلسطينية، ومؤيدو التغيير يخشون على سلامة عائلاتهم وأحبائهم. وفي النهاية، يولد الامتعاض السياسي شعوراً معمماً بخيبة الأمل تجاه الغرب، معززاً المخاوف من أن التأثيرات الخارجية ستدفع بالمسلمين الى التضحية بدينهم، وليس بحقوقهم فحسب.

وفي هكذا مناخ نشأت المجموعات الجهادية التي يصفها الغرب بـ «الأصولية» وأثارت درجات متفاوتة من التعاطف الشعبي مع ما أكدته بأن التغيير في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا بمواجهة غرب متغطرس سياسياً ومشبوه أخلاقياً. في هذا الإطار، تتردد عبارة «معاداة الغرب» أو «معاداة أميركا» المنهجية على لسان هذه الحركات في العواصم الأجنبية بدويّ أكبر من إدانات الخطط السياسية والعسكرية التي تستحضر صور المسلمين عن «الصليبيين» في العصر الحديث[53].


تنويه: هذا المقال هو الجزء الثاني من هذه السلسة التي يتم نشرها على موقع قناة الثقلين — إقرأ الجزء الأول


الهوامش

[35]- بو علي نصير ـ الخطاب الديني ورسائل الإعلام ـ دراسة نقدية قدمت في مؤتمر «الخطاب الديني المعاصر والمتغيرات الدولية ـ جامعة الجزائر ـ 15 كانون أول (ديسمبر) 2007.

[36]- بوعلي نصير- المصدر نفسه.

[37]- محمد سيد محمد، المسؤولية الإعلامية في الإسلام، المسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص 56.

[38]- المرجع السابق نفسه، ص 36.

[39]- المرجع السابق نفسه، ص 37.

[40]- راجع القائمة باسماء الفضائيات الدينية التي أوردناها كملحق في نهاية هذا الفصل.

[41]- المصدر نفسه.

[42]- صباح ياسين – المصدر نفسه.

[43]- باحث أميركي من أصل هندي له دراسة بعنوان: «الإسلام في أميركا: درب وعرة بالانتظار، دراسة حول النشاطات المعادية للإسلام»، في المؤتمر الاول حول الإسلام في أميركا، الذي أقيم في جامعة انديانابوليس، من 4 لغاية 6 تموز 1997، برعاية الجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية، وجمعية علماء الاجتماعيات المسلمين، وجامعة إنديانابوليس.

[44]- أمير علي- المصدر نفسه.

[45]- الإسلاموفوبيا: مظاهرها وأخطارها – مقتطف من دراسة استشارية أعدتها لجنة رانيميد حول المسلمين البريطانيين عام 1997. راجع موقع اللجنة: www.runnimedtrust.org

[46]- راجع المصدر نفسه.

[47]- أمير علي – مصدر سابق.

[48]- غوردن كونواي، راجع تعليقاته على الدراسة التي أعدتها لجنة رانيميد حول «الإسلاموفوبيا مظاهرها وأخطارها» راجع موقع اللجنة التي يرأس مجلس إدارتها www.runnimedtrust.org.

[49]- المصدر نفسه.

[50]- أمير علي- مصدر سابق.

[51]- للمزيد من التعرّف على رأي المستشرق والمفكر الأميركي المعروف برنار لويس في هذا الصدد انظر كتابه- Bernard Louis، the Atlantic Monthly، Islam and Liberal Democracy، New York 1993 No2 P.89.[52]- انظر: أمير علي- مصدر سابق.

[53]- ناثان فانك وعبد العزيز سعيد – الاسلام والغرب – روايات عن الصراع وتحول الصراع – الصحيفة الدولية لدراسات السلام – الجزء التاسع – العدد الأول – ربيع وصيف 2004.

—————————————————————————————————————————————-

المصدر: موقع الإجتهاد الالكتروني + مجلة الاستغراب – العدد : 11 السنة : السنة الرابعة – ربيع 2018 م / 1439 هـ

تأليف: الشيخ د. محمد رضا زائري