رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين السجاد (ع) + فيديو

کلمات مفتاحیة:

هذه الرسالة تعتبر أوّل رسالة قانونية جامعة دوّنت في التأريخ البشري،و هي من الذخائر النفيسة ألذي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإنسان وحقوقه كلّها وتشتمل على شبكة علاقات الإنسان الثلاثة، مع ربِّه ونفسِه ومجتمعه.وترسم حدود العلائق والواجبات بين الإنسان وجميع ما يحيط به. ويقول الأديب باقر شريف القرشي، حول هذه الرسالة: ” من المؤّلفات المهمّة في دنيا الإسلام ” رسالة الحقوق ” للإمام زين العابدين ، فقد وضعت المناهج الحيّة لسلوك الإنسان، وتطوير حياته، وبناء حضارته، على أسس تتوافر فيها جميع عوامل الاستقرار النّفسي.

ففي الواقع أنّ رسالة الحقوق تقدّم صورة كاملة و شاملة عن حقيقة الدين الإسلامي و تمثل دائرة معارف إسلامية كبرى من حيث تعدد جوانبها و تنوع مضامينها و هذا التنوّع و الغنى الفكري أكسب هذه الرسالة موقعاً متميزاً في التراث الإسلامي.

بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إعْلَــــمْ رَحِـــــمَكَ اللهُ أَنَّ للهِ عَلَيْكَ حُــــقُوقًا مُحِيطَةً بكَ فِي كـُلِّ حَرَكَة تَحَرَّكْتَهَا، أَوْ سَكَـــــنَة سَكَنْتَهَا، أَوْ مَنْزِلَة نَزَلْتَهَا، أَوْ جَارِحَة قَلَّبْتَهَا وَآلَةٍ تَصَرَّفْتَ بهَا، بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْض.

وَأَكْبَرُ حُقُوقِ اللهِ عَلَيْكَ مَا أَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْحُقُوقِ وَمِنْهُ تَفَرَّعَ. ثُمَّ أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ مِنْ قَرْنِكَ إلَى قَدَمِكَ عَلَى اِختِلافِ جَوَارِحِكَ.

فَجَعَلَ لِبَصَرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِسَمْعِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِلِسَانِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِيَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِرِجْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِبَطْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِفَرْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَهَذِهِ الْجَوَارِحُ السَّبْعُ الَّتِي بهَا تَكُونُ الأَفْعَالُ. ثُمَّ جَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ لأَفْعَالِكَ عَلَيْكَ حُقُوقًا فَجَعَلَ لِصَلاتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِصَوْمِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِصَدَقَتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِهَدْيِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَفعَالِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. ثُمَّ تَخرُجُ الْحُقُوقُ مِنْكَ إلَى غَيْرِكَ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبــَةِ عَلَيــْكَ.وَأَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حُقُوقُ أَئِمَّتِكَ ثُمَّ حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثُمَّ حُقُوقُ رَحِمِكَ. فَهَذِهِ حُقُوقٌ حُقُوقُ رَحِمِكَ. فَهَذِهِ حُقُو يَتَشَعَّبُ مِنْهَا حُقُوقٌ: فَحُقُوقُ أَئِمَّتِكَ ثَلاثَةٌ أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ سَائِسِـــكَ بالسُّـــلْطَانِ ثُمَّ سَائِسِكَ بالْعِلْــــــمِ، ثُمَّ حَقُّ سَائِسِكَ بالْمُلْكِ، وَكُلُّ سَائِسٍ إمَامٌ. وَحُقُوقُ رَعِيَّتِكَ ثلاثَةٌ أَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بالسُّلْطَان، ثُمَّ حَقُّ رعِيَّتِكَ بالْعِلْمِ، فَإنَّ الْجَاهِلَ رَعِيَّةُ الْعَالِمِ، وَحَقُّ رَعِيَّتِكَ بالْمُلْكِ مِنَ الأَزْوَاجِ وَمَا مَلَكْتَ مِنَ الأَيْمَانِ.وَحُقُوقُ رَحِمِكَ كَثِيرَةٌ مُتَّصِلَةٌ بقَدْرِ اتِّصَالِ الرَّحِمِ فِي الْقَرَابَةِ فَأَوْجَبُهَا عَلَيْــكَ حَقُّ أُمِّكَ ثُمَّ حَقُّ أَبيكَ ثُمَّ حَقُّ وَلَدِكَ ثُمَّ حَقُّ أَخِيكَ ثُـــــــمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ وَالأَوَّلُ فَالأَوَّلُ. ثُمَّ حَقُّ مَوْلاكَ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ مَوْلاكَ الْجَارِيَةُ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ لَدَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ مُؤَذِّنُكَ بالصَّلاةِ، ثُمَّ حَقُّ إمَامِكَ فِي صَلاتِكَ، ثُمَّ حَقُّ جَلِيسِكَ، ثُمَّ حَقُّ جَارِكَ، ثُمَّ حَقُّ صَاحِبكَ، ثُمَّ حَقُّ شَرِيكِكَ، ثُمَّ حَقُّ مَالِكَ، ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي تُطَالِبُهُ، ثُمَّ حَقُّ غَرِيمِكَ الَّذِي يُطَالِبُكَ، ثُمَّ حَقُّ خَلِيطِكَ، ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الْمُدَّعِي عَلَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الَّذِي تَدَّعِي عَلَيْهِ، ثُمَّ حَقُّ مُسْتَشِيرِكَ، ثُمَّ حَقُّ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ مُسْتَنْصِحِكَ، ثُمَّ حَقُّ النَّاصِحِ لَكَ، ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ، ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ، ثُمَّ حَقُّ سَائِلِكَ، ثُمَّ حَقُّ مَن سَأَلْتَهُ، ثُمَّ حَقُّ مَن جَرَى لَكَ عَلَى يَدَيْهِ مَسَاءَةٌ بقَوْل أَو فِعْل أَوْ مَسَرَّة بذَلِكَ بقَوْل أَوْ فِعْل عَنْ تَعَمُّد مِنْهُ أَوْ غَيْرِ تَعَمُّد مِنْهُ، ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَامَّةً ثُمَّ حَقُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ، ثُمَّ الْحُقُوقُ الْجَارِيَةُ بقَدْرِ عِلَل الأَحْوَالِ وَتَصَرُّفِ الأَسْبَاب. فَطُوبَى لِمَنْ أَعَانَهُ اللهُ عَلَى قَضَاءِ مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِ وَوَفَّقَهُ وَسَدَّدَهُ.

 

حقوق الله

 

1. حق الله الأكبر

فأَمَّا حَقُّ اللهِ الأَكْبَرُ فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئاً، فَإذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بإخلاص جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَما.

2. حق النفس

وَأَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللهِ فَتُؤَدّي إلَى لِسَانِكَ حَقَّهُ وَإلَى سَمْعِك حَقَّهُ وَإلَى بَصَرِكَ حَقّهُ وَإلَى يَدِكَ حَقَّهَا وَإلَى رِجْلِك حَقَّهَا وَإلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ وَإلَى فَرْجِكَ حَقَّهُ وَتَسْتَعِينَ باللهِ عَلَى ذَلِك.

 

حقوق الجوارح

3. حق اللسان

وَأَمَّا حَقُّ اللّسَان فَإكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَى1 وتَعْوِيدُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الأَدَب وَإجْمَامُهُ إلاّ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا وَإعْفَاؤُهُ عَنِ الْفُضُول اُلشَّنِعَةِ الْقَلِيلَةِ الْفَائِدَةِ الَّتِي لا يُؤْمَنُ ضَرَرُهَا مَعَ قِلَّةِ عَائِدَتِهَا. وَيُعَدُّ شَاهِدَ الْعَقْلِ وَالدَّلِيلَ عَلَيْه وَتَزَيُّنُ الْعَاقِلَ بعَقْلِهِ حُسْنُ سِيرَتِهِ فِي لِسَانِهِ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

4. حق السمع

وَأَمَّا حَقُّ السَّمْعِ فَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقًا إلَى قَلْبكَ إلا لِفُوهَة كَرِيمَة تُحْدِثُ فِي قَلبكَ خَيْرًا أَو تَكْسِبُ خُلُقًا كَرِيمًا فَإنَّهُ بَابُ الْكَلامِ إلَى الْقَلْب يُؤَدِّي إلَيْهِ ضُرُوبُ الْمَعَانِي عَلَى مَا فِيهَا مِن خَيْر أَو شَرِّ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

5. حق البصر

وَأَمَّا حَقُّ بَصَرِكَ فَغَضُّهُ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ وتَرْكُ ابْتِذَالِهِ إلاّ لِمَوضِعِ عِبْرَة تَسْتَقْبلُ بهَا بَصَرًا أَو تَسْتَفِيدُ بهَا عِلْمًا، فَإنَّ الْبَصَرَ بَابُ الِاعْتِبَارِ.

6. حق الرجلين

وَأَمَّا حَقُّ رِجْلَيْكَ فَأَنْ لا تَمْشِي بهِمَا إلَى مَا لا يَحِلُّ لَكَ وَلا تَجْعَلْهُمَا مَطِيَّتَكَ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَخِفَّةِ بأَهْلِهَا فِيهَا فَإنَّهَا حَامِلَتُكَ وَسَالِكَةٌ بكَ مَسْلَكَ الدِّينِ وَالسَّبْقُ لَكَ، وَلا قُوَّةَ إلا بالله.

7. حق اليد

وَأَمَّا حَقُّ يَدِكَ فَأَنْ لا تَبْسُطَهَا إلَى مَا لا يَحِلُّ لَكَ فَتَنَالَ بمَا تَبْسُطُهَا إلَيْهِ مِنَ اللهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآجِلِ، وَمِنَ النَّاسِ بلِسَانِ اللائِمَةِ فِي الْعَـاجِلِ، وَلا تَقْبضَهَا مِمَّا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهَا وَلَكِنْ تُوقّرَِهَا بقَبْضِهَا عَنْ كَثِير مِمَّا يَحِلُّ لَهَا وبَسْطِهَا إلَى كَثِير مِمَّا لَيسَ عَلَيْهَا، فَإذَا هِيَ قَدْ عُقِلَتْ وَشُرِّفَتْ فِي الْعَاجِلِ وَجَبَ لَهَا حُسْنُ الثَّوَاب فِي الآجِلِ.

8. حق البطن

وَأَمَّا حَقُّ بَطْنِكَ فَأَنْ لا تَجْعَلَهُ وِعَاءً لِقَلِيل مِنَ الْحَرَامِ وَلا لِكَثِير، وَأَنْ تَقْتَصِدَ لَهُ فِي الْحَلالِ وَلا تُخرِجَهُ مِنْ حَدِّ التَّقْوِيَةِ إلَى حَدِّ التَّهْوِينِ2 وَذَهَاب الْمُرُوَّةِ، وَضَبْطُهُ إذَا هَمَّ بالْجُوعِ والظمأ فَإنَّ الشَّبْعَ الْمُنْتَهِي بصَاحِبهِ إلَى التُّخمِ مَكْسَلَةٌ وَمَثْبَطَةٌ وَمَقْطَعَةٌ عَنْ كُلِّ برِّ وَكَرَم. وَإنَّ الري الْمُنْتَهِي بصَاحِبهِ إلَى السُّكْرِ مَسْخَفَةٌ وَمَجْهَلَةٌ وَمَذْهَبَةٌ لِلْمُرُوَّةِ.

9. حق الفرج

وَأَمَّا حَـقُّ فَرْجِكَ فَحِفْظُهُ مِمَّا لا يَحِلُّ لَكَ وَالاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِ بغَضِّ الْبَصَرِ – فَإنَّهُ مِنْ أَعْوَنِ الأَعْوَانِ- وَكَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوتِ وَالتَّهَدُّدِ لِنَفْسِكَ باللهِ وَالتَّخوِيفِ لَهَا بهِ، وَباللهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّأْيِيدُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بهِ.

 

حقوق الأفعال

 

10. حق الصلاة

فَأَمَّا حَقُّ الصَّلاةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أنّهَا وِفَادَةٌ إلَى اللهِ وَأَنَّكَ قَائِمٌ بهَا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، فَإذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ كُنْتَ خَلِيقًا أَنْ تَقُومَ فِيهَا مَقَامَ الذَّلِيلِ الرَّاغِب الرَّاهِب الْخَائِفِ الرَّاجِي الْمِسْكِينِ الْمُتَضَرِّعِ الْمُعَظِّمِ مَنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ بالسُّكُونِ وَالإطْرَاقِ وَخُشُوعِ الأَطْرَافِ وَلِينِ الْجَنَاحَ وَحُسْنِ الْمُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَالطَّلَب إلَيْهِ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِكَ الَّتِي أَحَاطَتْ بهِ خَطِيئَتُكَ وَاسْتَهلَكَتْهَا ذُنُوبُكَ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

11. حق الصوم

وَأَمَّا حَقُّ الصَّوْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِكَ وَسَمْعِكَ وبَصَرِكَ وَفَرْجِكَ وبَطْنِكَ لِيَسْتر’َكَ بهِ مِن النَّارِ وَهَكَذَا جَاءَ فِي الْحَديثِ “الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ” فَإنْ سَكَنَتْ أَطْرَافُـكَ فِي حَجَبَتِهَا3 رَجَوْتَ أَنْ تَكُونَ مَحْجُوبًا. وَإنْ أَنْتَ تَرَكْتَهَا تَضْطَرِبُ فِي حِجَابهَا وتَرْفَعُ جَنَبَاتِ الْحِجَاب فَتُطّلِعُ إلَى مَا لَيْسَ لَهَا بالنَّظْرَةِ الدَّاعِيـَةِ لِلشَّهْوَةِ وَالقُوَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ للهِ لَمْ تَأمَنْ أَنْ تَخرِقَ الْحِجَابَ وَتَخرُجَ مِنْهُ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

12. حق الحج

وَأَمَّا حَقُّ الحَجّ أَنْ تَعْلَمَ أَنّه وِفادةٌ إلى رَبّكَ، و فِرارٌ إليه من ذُنوبكَ وفيهِ قبولُ تَوبتِكَ وقَضاءُ الفَرضِ الَّذي أوجَبَه الله عَليك.1.

13. حق الصدقة

وَأَمَّا حَقُّ الصَّدَقَةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أنَّها ذُخرُكَ عِنْدَ رَبكَ وَوَديعَتُكَ الَّتِي لا تَحْتَاجُ إلَى الإشْهَادِ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِك كُنْتَ بمَا اسْتَودَعْتَهُ سِرًّا أَوْثقَ بمَا اسْتَوْدَعْتَهُ عَلانِيَةً، وَكُنْتَ جَدِيرًا أَنْ تَكونَ أَسْرَرْتَ إلَيْهِ أَمْرًا أَعْلَنْتَهُ، وَكَانَ الأَمْرُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ فِيهَا سِرًّا عَلَى كُلِّ حَال وَلَمْ تَسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ فِيمَا اسْتَوْدَعْتَهُ مِنْهَا بإشْهَادِ الأَسْمَاعِ وَالأَبْصَارِ عَلَيْهِ بهَا كَأنَّهَا أَوْثقُ فِي نَفْسِكَ لا كَأنَّكَ لا تثِقُ بهِ فِي تَأْديَةِ وَديعَتِكَ إلَيْكَ، ثُمَّ لَمْ تَمْتَنَّ بهَا عَلَى أَحَد لأَنّهَا لَكَ فَإذا امْتَنَنْتَ بهَا لَمْ تَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ بهَا مِثْلَ تَهْـجِينِ2 حَالِكَ مِنْهَا إلَى مَنْ مَنَنْتَ بهَا عَلَيْهِ لأَنَّ فِي ذلِكَ دَلِيلاً عَلَى أَنّكَ لَمْ تُرِدْ نفْسَكَ بهَـا، وَلَوْ أَرَدْتَ نفْسَكَ بهَا لَمْ تَمْتَنَّ بهَا عَلَى أَحَد. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

14. حق الهدي

وَأمَّا حَقُّ الهَدْيِ فَأَنْ تُخلِصَ بهَا الإرَادَةَ إلَى رَبكَ وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَقَبُولِهِ ولا تُرِيدَ عُيُونَ النَّاظِرِينَ دُونهُ، فـَإذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفًا ولا مُتَصَنِّعًا وَكُنْتَ إنَّمَا تَقْصِدُ إلَى الله. وَاعْلَمْ أَنَّ الله يُرَادُ بالْيَسِيرِ وَلا يُرَادُ بالْعَسِيرِ كَمَا أَرَادَ بخَلْقِهِ التَّيْسِيرَ وَلَمْ يُرِدْ بهِمُ التَّعْسِيرَ، وَكَذَلِكَ التَّذَلُّلَ أَوْلَى بكَ مِن التَّدَهْقُنِ3 لأَنَّ الْكُلْفَةَ وَالْمَئونَةَ فِي الْمُتَدَهْقِنِينَ. فَأمَّا التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ فَلا كُلْفَةَ فِيهِمَا وَلا مَئونةَ عَلَيْهِمَا لأَنَّهُمَا الْخِلْقَةَ وهُمَا مَوجُودَانِ فِي الطَّبيعَةِ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

 

حقوق الأئمَّة

 

15. حق سائسك بالسلطان

فأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بالسُّلْطَانِ فَأَنْ تَعْلَمَ أنّكَ جُعِلْتَ لَهُ فِتنَة وأنَّهُ مُبْتَلىً فِيكَ بمَا جَعَلَهُ اللهُ لَهُ عَلَيْكَ مِنَ السُّلْطَانِ وَأَنْ تُخلِصَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَأَنْ لا تُمَاحِكَهُ1 وَقَدْ بُسِطْتَ يَدُهُ عَلَيْكَ فَتَكُونَ سَبَبَ هَلاكِ نفْسِكَ وَهلاكِهِ. وتَذَلَّلْ وتَلَطَّفْ لإِعْطَائِهِ مِنَ الرِّضَا مَا يَكُفُّهُ عَنْكَ وَلا يَضُرُّ بدينِكَ وتَسْتَعِينُ عَلَيْهِ فِي ذلِكَ باللهِ. ولا تُعَازَّهُ2 ولا تُعَانِدَهُ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذلِكَ عَقَقْتَهُ3 وَعَقَقْتَ نَفْسَكَ فَعَرَضْتَهَا لِمَكرُوهِهِ وَعَرَضْتَهُ لِلْهَلَكَةِ فِيكَ وَكُنْتَ خَلِيقًا أَنْ تَكُونَ مُعِينًا لَهُ عَلَى نفْسِكَ وَشَرِيكًا لَهُ فِيمَا أَتى إلَيْكَ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

16. حق سائسك بالعلم

وأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بالعِلْــــــــمِ فالتَّعْظِيمُ لَهُ والتَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ وَحُسْــــنُ الاسْـــــــــــــتِمَاعِ إليهِ وَالإقْبَــــــالُ عَلَيْه4)ِ وَالْمَعُونةُ لَهُ عَلَى نفْسِكَ فِيمَــــا لا غِنَى بكَ عَنْهُ مِنْ الْعِلْمِ بأَنْ تُفَرِّغَ لَهُ عَقلَكَ وَتُحْضِرَهُ فَهْمَــــــــــــــكَ وتُزَكِّي لَهُ قَلْبَكَ وتُجَلِّى لَهُ بَصَرَكَ بتَرْكِ اللّذَّاتِ وَنقْص الشّهَوَاتِ، وَأَنْ تَعْلَــــــــــمَ أَنَّكَ فِيمَا أَلقَى إلَيْكَ رَسُولُهُ إلَى مَنْ لَقِيَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ فَلَزِمَكَ حُسْنُ التَّأْدِيَةِ عَنْهُ إلَيْهِمْ، ولا تَخُنْهُ فِي تَأْدِيَةِ رِسَـــــــــــــــالَتِهِ وَالْقِيَامِ بهَا عَنْهُ إذا تَقَلَّدْتَهَا. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

17. حق السائس بالملك

وأمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بالمِلْكِ5 فَنَحْوٌ مِنْ سَائِسِكَ بالسُّلْطَانِ إلاّ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ مَـــــــــــــــا لا يَمْلِكُهُ ذاكَ، تَلْزِمُكَ طَاعَتُهُ فِيمَــــــــــا دَقَّ وَجَلَّ مِنْكَ إلاّ أَنْ تُخرِجَكَ مِنْ وُجُـــــــــوب حَقِّ الله، ويَحُولَ بَينَكَ وبَيْنَ حَقِّهِ وَحُقُوقِ الخَلْقِ، فَــــــإذَا قَضَيْتَهُ رَجَــــــــــــــــــعْتَ إلَى حَقِّهِ6 فَتَشَاغَلْتَ بهِ. ولا قُوَّةَ إلاّ باللهِ.

1- لا تماحكه: لا تخاصمه ولا تنازعه.

2- لا تعازه: لا تعارضه في العزة

3- عققته: عصيتَه وآذيته.

4- في المكارم الأخلاق:و أن لا تَرْفَعَ صوتَكَ عليهِ و لا تُجيبَ أحداً يَسْألُه عن شَي ء حتى يكونَ هو الذي يُجيبُ و لا تُحدَّثَ في مَجْلِسِه أحداً و لا تَغْتَابَ عِنْدَه أحداً و أن تَدْفَعَ عنه إذا ذُكِرَ عِندَكَ بسُوء و أن تَسْتُرَ عُيوبَه و تُظْهِرَ مَناقِبَهُ و لا تُجالِسَ لَهُ عَدوَاً و لا تُعادي له وَليّاً، فإذا فَعَلْتَ ذلكَ شَهِدَتْ لَكَ مَلائِكَةُ اللّه بأنَّكَ قَصَدْتَه و تَعَلَّمْتَ عِلْمَه للّه جَلَّ اسْمُه لا لِلنَّاسِ

5- في المكارم الأخلاق: فأن تُطيعَهُ و لا تَعْصيَهُ إلاَّ فيما يَسخَطُ اللّه عز وجل فإنَّه لا طاعَةَ لِمَخلوق في مَعصيَةِ الخالِقِ

6- أي قضيت حق اللَّه فارجع إلى أداء حق مالكك.

 

حقوق الرعية

 

18. حق الرعية بالسلطان

فأَمَّا حُقُوقُ رَعِيَّتِكَ بالسُّلْطَانِ فَأَنْ تَعْلَمَ1 أَنَّكَ إنَّمَا اسْتَرْعَيْتَهُمْ بفَضْلِ قُوَّتِكَ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ إنَّمَا أَحَلَّهُـــــــــــمْ مَحَلَّ الرَّعِيَّةِ لَكَ ضَعْفُهُمْ وَذُلُّهُمْ، فَمَــــا أَوْلَى مَنْ كَفَاكَهُ ضَعْفُهُ وَذُلُّهُ حَتَّى صَيَّرَهُ لَكَ رَعِيَّةً وَصَيَّرَ حُكْمَكَ عَلَيْهِ نَافِذاً، لا يَمْتَنِعُ مِنْـــــــــــــــــكَ بعِزَّة وَلا قُوَّة وَلا يَسْتَنْصِرُ فِيمَا تَعَاظَمَــــــهُ مِنْكَ إلا (باللهِ) بالرَّحْمَةِ وَالْحِيَاطَةِ2 وَالأَناةِ3، وَمَـــــــــا أَولاكَ إذَا عَرَفْتَ مَا أَعْطَــــــــــاكَ الله مِنْ فَضْلِ هذِهِ الْعِزَّةِ وَالقُوَّةِ الَّتِي قَهَرْتَ بهَـــــــــــا أَنْ تَكُونَ لِلّهِ شَاكِراً، وَمَـــــنْ شَكَرَ الله أَعْطَاهُ فِيمَا أَنعَمَ عَلَيْهِ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

19. حق الرعية

بالعلموأمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بالعِلْمِ فَأَنْ تَعْلَــمَ أَنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَكَ لَهُمْ 4 فِيمَـــــــا آتاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَولاّكَ مِنْ خَزَانةِ الْحِكْمَةِ، فَــــــــــإنْ أَحْسَنْتَ5فِيمَــــــا ولاّكَ اللهُ مِنْ ذلِكَ وَقُمْتَ بهِ لَهُمْ مَقَامَ الخَـــــازِنِ الشَّفِيقِ النَّـــــــاصِحِ لِمَـــولاهُ فِي عَبيدِهِ، الصَّــــــابرِ الْمُحْتَسِب الَّذِي إذَا رأَى ذا حَـــــاجَة أَخرَجَ لَهُ مِنَ الأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدَيهِ كُنْتَ رَاشِدًا، وَكُنْتَ لـــــــــــــِذَلِكَ آمِلاً6 مُعْتَقِدًا وَإلاّ كُنْتَ لَهُ خَائِنًا وَلِخَلقِهِ ظَالِمًا وَلِسَلْبهِ وَعِزِّهِ مُتَعَرِّضًا.

20. حق الزوجة

وَأمَّــــــــــــــا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بمِلْكِ النّكَاحِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ جَـعَـلَـهَـا سَكَنًا وَمُسْتَرَاحًا وَأُنْسًـــــــــا وَوَاقِيةً، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِد مِنْكُمَا يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى صَاحِبهِ، ويَعْلَـــــــــــــمَ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ. وَوَجَبَ أَنْ يُحْسِــــــــــنَ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَيُكْرِمَهَا ويَرْفَقَ بهَا وَإنْ كَانَ حَقُّكَ عَلَيْهَا أَغْلَظَ7 وَطَاعَتِكَ بهَا أَلْزَمَ فِيمَا أَحْببْتَ وَكَرِهْتَ مَا لَمْ تَكنْ مَعْصِيةً، فإنَّ لَهَا حَقُّ الرَّحــــــــْمَةُ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَمَوْضِعُ السُّكُونِ إلَيهَا قَضَاءَ اللَّذَّةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَــــــــا وَذَلِكَ عَظِيـــــمٌ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

21. حق الرعية بملك اليمين

وَأمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بمِلْكِ اليَمِينِ فَأَنْ تَعْلَمَ أنَهُ خَلْقُ رَبكَ، وَلَحْمُــــكَ وَدَمُــــكَ وَأَنَّـــــــــــكَ تَمْلِكُهُ لا أنْتَ صَنَعْتَهُ دُونَ اللَّهِ وَلا خَلَقْتَ لَهُ سَمْعًـــــا وَلا بَصَرًا وَلا أَجْرَيتَ لَهُ رِزْقًا وَلَكِنَّ اللَّهَ كَفَاكَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَخَّرَهُ لَكَ وَائْتَمَنَكَ عَلَيْهِ وَاسْتَوْدَعَكَ إيَّـــــاهُ لِتَحْفَظَهُ فِيهِ وتَسِيرَ فِيهِ بسِيرَتِهِ فَتُطْعِمَهُ مِمَّا تَأْكُلُ وَتُلْبسَهُ مِمَّا تَلْبَسُ وَلا تُكَلِّفَهُ مَـــــــــا لا يُطِيقُ، فَإنْ كَرِهْتَ(هُ) خَرَجْتَ إلَى اللَّهِ مِنْهُ وَاسْتَبْدَلْتَ بهِ وَلَـمْ تُعَذِّبْ خَلْقَ اللَّهِ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

 

حقوقّ الرّحم

 

22. حق الأم

فَحَقُّ أُمِّكَ، فَـــــــــأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتكَ حَيْثُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَدًا وَأَطْعَمَتكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبها مَا لا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَنَّهَا وَقَتكَ بسَمْعِهَـــــــا وبَصَرِهَــــــا ويَدِهَــــا وَرِجْلهـــــا وَشَعْرِهَا وبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَـــــا مُسْتَبشِرَةً بذَلِكَ، فَرِحَـــــــــــةً مُوَابلَةً1، مُحْتَمِلَةً لِمَـــــــــا فِيهِ مَكْرُوهُهــا وأَلَمُهـــا وثِقْلُهـــا وَغَمُّهَا حَتَّى دَفَعَتهَا عَنْكَ يَدُ الـــــــــــــقُدْرَةِ وَأَخرَجَتكَ إلَى الأَرضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَــــــعَ وتجــــــــــــُوعُ هِيَ، وَتَكْسُوكَ وَتعْرَى، وَتُرْوِيكَ وَتَظْمَـــــــــأُ، وَتُظِلُّكَ وتَضْحَى، وَتُنَعِّمَـــــــكَ ببُؤْسِهَـــــــــــــــا، وَتُلَذِّذُكَ بالنَّوْمِ بأَرَقِهَا، وَكَانَ بَطْنُهَــــــا لَكَ وِعَاءً، وَحِجْرُهَـــا لَكَ حِوَاءً2، وثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً، ونَفْسُهَـــا لَكَ وِقَــــــــــــاءً، تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنيَا وبَرْدِهَـــــــــــــــــــا لَكَ وَدُونَكَ، فَتَشْكُرَهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إلاّ بعَونِ اللَّهِ وَتَوفِيقِهِ.

23. حق الأب

وَأمَّا حَقُّ أَبيكَ فَتَعْلَــــــــــمَ أنَّهُ أَصْلُكَ، وَأنَّكَ فَرْعُــــــهُ، وَأَنَّكَ لَوْلاهُ لَمْ تَكُنْ. فَمَهْمَــــــــــا رَأيْتَ فِي نفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ وَاحْمَــــــــــــــــــدِ اللَّهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلا قُوَّةَ إلاّ باللهِ.

24. حق الولد

وَأمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَتَعْلَمَ أنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إلَيكَ فِي عَاجِلِ الدُنْيَـــــــــا بخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْئولٌ عَمَّــــــا ولِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الأَدَب وَالدّلالَةِ عَلَى رَبـــــــــهِ وَالْمَعُونةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فِيكَ وَفِي نفْسِهِ، فَمُثابٌ عَلَى ذلِكَ وَمُعَاقَبٌ، فَـــــــــاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ الْمُتَزَيِّنِ بحُسْنِ أَثرِهِ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، الْمُعْذِرِ إلَى رَبهِ فِيمَـــــــا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بحُسْنِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَالأَخذُ لَهُ مِنْهُ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

25. حق الأخ

وَأَمّا حَقُّ أَخِيكَ فَتَعْلَمَ أَنّهُ يَدُكَ الَّتِي تَبسُطُهَــــــا، وَظَهْرُكَ الَّذِي تَلْتَجِئُ إلَيـــــــــــهِ، وَعِزُّكَ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيهِ، وَقُوَّتُكَ الَّتِي تَصُولُ بهَـــا، فَلا تَتَّخِذْهُ سِلاحًا عـــَلَى مَــعــْصــِيـةِ اللَّهِ ولا عُدَّةً لِلظُّلْمِ بحَــــــــــقِّ اللَّهِ، ولا تَدَعْ نُصْرتَهُ عَلَى نفْسِــــــــهِ وَمَعُونتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالْحَوْلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيَاطينهِ وتَأْديَةِ النَّصِيحَةِ إلَيهِ والإقبَالِ عَلَيْهِ فِي اللَّهِ فَــــــــــإنْ انقَادَ لِرَبهِ وَأَحْسَنَ الإجَابَةَ لَهُ وَإلاّ فَلْيَكُنِ اللهُ آثرَ عِنْدَكَ وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنْهُ.

 

حقوق الآخرين

 

26. حق المنعم على مولاه

وَأَمّــــــــــــا حَقُّ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ بالْولاءِ1 فَــأَنْ تَعْلَمَ أَنّهُ أَنفَقَ فِيكَ مَالَـــهُ، وَأَخرَجَكَ مِن ذُلِّ الرِّقِ وَوَحْشَــــــــــــــتِهِ إلَى عِزِّ الحُرِّيةِ وأُنسِهـــــا، وَأَطْلَقَكَ مِنْ أَسْرِ الْمِلْكَةِ، وَفَـــــكَّ عَنْكَ حـــــِلَقَ الْعُبُودِيَّةِ2، وَأَوْجَدَكَ رَائِحَة الْعِزِّ، وَأَخرَجَكَ مِنْ سِجْنِ القَهْرِ، وَدَفَـــــــــــعَ عَنْكَ الْعُسْرَ، وبَسَطَ لَكَ لِسَـــــــــــانَ الإنْصَافِ، وَأَبَاحَكَ الدُنْيَــــــــا كُلَّهَا فَمَلَّكَكَ نفْسَــــــكَ، وَحَلَّ أَسْرَكَ، وَفَرَّغَكَ لِعِبَادَةِ رَبكَ، وَاحْتَمَلَ بذَلِكَ التَّقْصِيرَ فِي مَالِهِ، فَتَعْلَـــــــــــمَ أَنّهُ أَوْلَى الخَلْقِ بكَ بَعْـــــدَ أُولي رَحِمِكَ فِي حَيَاتِكَ وَمَوْتِكَ، وَأَحَقَّ الخَــــــــــــــلْقِ بنَصْرِكَ وَمَعُونَتِكَ وَمُكَانفَتِكَ فِي ذَات اللَّهِ، فَلا تُؤثِرْ عَلَيْهِ نفْسَكَ مَا احْتَاجَ إلَيْكَ.

27. حق المولى الجارية عليه نعمتك

وَأَمَّـــــــــــــــــا حَقُّ مَوْلاكَ3الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ نِعْمَتُكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ جَعَلَكَ حَــامِيَةً عَلَيْهِ، وَوَاقِيَــــــــــــةً وناصِرًا وَمَعْقِلاً، وَجَعَلَهُ لَكَ وَسِيلَةً وَسَبَباً بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَبالْحَرِيِّ أَنْ يَحْجُبَكَ عَنِ النَّــــــــــــــارِ فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ مِنْهُ فِي الآجِلِ، ويَحْكُمُ لَكَ بمِيرَاثِهِ فِي الْعَاجِلِ إذَا لم يَكُنْ لَهُ رَحِــــــــــــــــــمٌ، مُكَافَأَةً لِمَـــــــــــا أَنفَقْتَهُ مِنْ مَالِكَ عَلَيْــــــــــهِ وَقُمْتَ بهِ مِنْ حَقِّـــــهِ بَعْدَ إنفَاقِ مَالِكَ، فَإنْ لَمْ تَقُمْ بحَقِّهِ خِيفَ عَلَيْكَ أَنْ لا يَطِيبَ لَكَ مِيرَاثُهُ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

28. حق ذي المعروف

وَأمّا حَقُّ ذِي المَعْرُوفِ عَلَيكَ فَـــــــأَنْ تَشْكُرَهُ وتَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ وتَنْشُرَ لَهُ الْمَقَــــــــــالَةَ الْحَسَنَةَ، وَتُخلِصَ لَهُ الدُّعَـــــاءَ فِيمَــــا بَينَكَ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإنّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرًّا وَعَلانِيَـةً. ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ مُكَافَأَتَهُ بالْفِعْلِ كَافَأتَهُ وإلاّ كُنْتَ مُرْصِدًا لَهُ مُوطِّنًا نَفْسَكَ عَلَيْهَا.

29. حق المؤذن

وَأمّا حَقُّ الْمُؤَذِّنِ فَأَنْ تَعْلَمَ أنّهُ مُذَكِّرُكَ برَبكَ وَدَاعِـــــيكَ إلَى حَظِّكَ وَأَفْضَلُ أَعْوَانِكَ عَلَى قَضَـــــــــــاءِ الْفَرِيضَةِ الَّتِي افتَرَضَهَا اللهُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرَهُ عَلَى ذَلِكَ شُكْرَكَ لِلْمُحْسِنِ إلَيكَ. وَإنْ كُنْتَ فِي بَيْتِكَ مُهْتَمًّا لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ للهِ فِي أَمْرِهِ مُتَّهِمــــــاً وَعَلِمْتَ أنَّهُ نِعْمَةٌ مِن اللَّهِ عَلَيْكَ، لا شَكَّ فِيهَــــا، فَــــــــــــأَحْسِنْ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ بحَمْدِ اللَّهِ عَلَيْهَــــــا عَلَى كُلِّ حَال. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

30. حق الإمام في الصلاة

وَأمّا حَقُّ إمَامِكَ فِي صَلاتِكَ فَــــــــــــــــــأَنْ تَعلَمَ أنّهُ قَدْ تَقَلَّدَ السِّفَارَةَ فِيمَــــا بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ وَالْوِفَادَةَ إلَى رَبكَ، وتَكَلَّمَ عَنْكَ وَلَمْ تَتَكَلَّـــــمْ عَنْهُ، وَدعَا لَكَ وَلَمْ تَدْعُ لَهُ، وَطَلَبَ فِيكَ وَلَـــــــــــــــــمْ تَطْلُبْ فِيهِ، وَكَفَاكَ هَمَّ الْمَقَــــــــامِ بَينَ يدي اللهِ وَالمُسَـــــــــاءَلَةَ لَهُ فِيكَ وَلَمْ تَكْفِهِ ذَلِكَ، فَــــــــــــإنْ كَانَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ كَانَ بهِ دُونَكَ، وَإنْ كَانَ آثِمـــــــــــــاً لَمْ تَكُنْ شَرِيكَهُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيكَ فَضلٌ، فَوقَى نَفْسَكَ بنَفْســـــــــــــــِهِ، وَوَقَى صـَلاتَكَ بصَلاتِهِ، فَتَشْكُرَ لَهُ عَلَى ذلِكَ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

31. حق الجليس

وَأمّــــا حَقُّ الجَلِيسِ فَأَنْ تُلِينَ لَهُ كَنَفَكَ4، وَتُطِيبَ لَهُ جَانِبَكَ، وَتُنْصِفَهُ فِي مُجَارَاةِ اللَّفْظِ5 ولا تُغْرِق6 فِي نَزْعِ اللَّحْــظِ إذَا لَحَظْتَ وتَقْصُدَ فِي اللَّفْظِ إلَى إفْهَــــــــامِهِ إذَا لَفَظْتَ. وَإنْ كُنْتَ الْجَلِيــــــــــــــــــسَ إلَيْهِ كُنْتَ فِي الْقِيَـــــــــــــــامِ عَنْهُ بالْخِيَارِ وَإنْ كَانَ الجَالِسَ إلَيكَ كَانَ بالخِيَـــــــــارِ. ولا تَقُومُ إلا بــإذْنِهِ.7 وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

32. حق الجار

وَأمّــا حَقُّ الجَارِ فَحِفْظُهُ غَائِبًا وَكَرَامَتُهُ شَاهِدًا ونُصْرَتُهُ وَمَعُونتُهُ فِي الحَـالَينِ جَمِيعــاً.8 لا تَتَّبعْ لَهُ عَوْرَةً ولا تَبحَثْ لَهُ عَنْ سَوْءَ(ة) لِتَعْرِفَهَــــــــــا، فَإنْ عَرَفْتَهَــــــا مِنْهُ عَنْ غَيْرِ إرَادَة مِنْكَ وَلا تَكَلُّف كُنْتَ لِمَــــا عَلِمْتَ حِصْنـــاً حَصِينـــاً وَسِتْرًا سَــــــــــــتِيرًا، لَوْ بَحَثتِ الأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيرًا لَمْ تَتَّصِلْ إلَيْه لانطِوَائِهِ عَلَيهِ. لا تَسْــتَمِعْ عَلَيهِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَـــمُ. لا تُسَلِّمْهُ عِنْدَ شَـــــــــــديدَة، ولا تَحْسُدْهُ عِنْـــــــــــدَ نِعْمَة. تُقِيلُ عَثْرَتهُ وتَغْفِرْ زَلَّتَـــــــــهُ. ولا تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إذَا جَهِلَ عَلَيْــــــــــــــــــكَ، ولا تَخرُجْ أَنْ تَكُونَ سُلَّمًا لَهُ. تَرُدُّ عَنهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ، وَتُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَـــــــــــامِلِ النَّصِيحَةِ، وَتُعَــــــاشِرَهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

33. حق الصاحب

وَأمـــــــــــــّا حَقُّ الصَّاحِب فَأَنْ تَصْحَبَهُ بالفَضلِ مَـــــــا وَجَدْتَ إلَيهِ سَبيلاً وإلا فَلا أَقَلَّ مِنَ الإنصَــــــــافِ، وَأَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يـُكْرِمُكَ، وَتـحْفَظَـــــــــــــــــهُ كَمَا يـَحْفَظُكَ، ولا يَسْبقَكَ فِيمَــا بَينَكَ وبَينَهُ إلَى مـَكْرَمَة، فَـــــــــــــإنْ سَبَقَكَ كَافَـــأتَهُ. ولا تُقَصِّرَ بهِ عَمَّا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَوَدَّةِ. تُلْزِمُ نفْسَكَ نصِيحَتَهُ وَحِيَـــــــــاطَتَهُ وَمُعَاضَدتَهُ عَلَى طَـــــاعَةِ رَبهِ وَمَعُونتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَــــــــا لا يَهُمُّ بهِ مِنْ مَعْصِيةِ رَبهِ، ثُمَّ تَكُونُ (عَلَيْهِ) رَحْمَةً ولا تَكُونُ عَلَيهِ عَذَاباً. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

34. حق الشريك

وَأمّــا حَقُّ الشَّرِيكِ، فَإنْ غَابَ كَفَيْتَـــــــــــــــــهُ، وَإنْ حَضَرَ سَــــــــــــاويْتَهُ، ولا تَعْزِمْ عَلَى حُكْمِكَ دُونَ حُكْمِـــــهِ، وَلا تَعمَــــــــــــــــــلْ برَأْيكَ دُونَ مُنــــاظَرَتهِ، وتَحْفَظُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَتنْفِي عَنْهُ خِيَانتَهُ فِيمَـا عَزَّ أَو هَانَ فَإنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ “يَدَ اللهِ عَلَى الشَّرِيـكَيْنِ مَــــــــــــــــــا لَمْ يَتَخاوَنا”. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

35. حق المال

وَأمّا حَقُّ المَالِ، فَأَنْ لا تَأْخُذَهُ إلاّ مِنْ حِلِّهِ، ولا تُنْفِقَهُ إلاّ فِي حِلِّهِ، وَلا تُحَرِّفْــــــــــــــــــهُ عَنْ مَـــــــــوَاضِعِهِ، ولا تَصْرِفَهُ عَنْ حَقَـــــــــــــــائِقِهِ، ولا تَجْعَلْهُ إذا كَانَ مِنَ اللَّهِ إلاّ إلَيهِ وَسَبَباً إلَى اللَّهِ. ولا تُـــــــــؤثِرَ بهِ عَلَى نفْسِـــــــكَ مَنْ لَعَلَّهُ لا يَحْمَدُكَ، وَبالْحَرِيِّ أَنْ لا يُحْســـــــــــــــِنَ خِلافَتَــــــــهُ فِي تَرِكَتِكَ9 ولا يَعْمَلُ فِيهِ بطَـــــــــاعَةِ ربكَ فَتَكُونَ مُعِينًا لَهُ عَلَى ذلِكَ أَو بمَـــــــا أَحْدَثَ فِي مَالِكَ أَحْسَنَ نَظَرًا لِنَفْسِهِ، فَيَعْمَلَ بطَاعَةِ رَبهِ فَيَذْهَبَ بالْغَنِيمَةِ وتَبُوءَ بالإثمِ وَالْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ مَعَ التَّبعَةِ.10 وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

36. حق الغريم الطالب

وَأمّا حَقُّ الغَرِيمِ الطَّالِب لَكَ،11 فَإنْ كُنْتَ مُوسِرًا أَوفَيتَهُ وَكَفَيتَهُ وَأَغْنَيتَهُ وَلَـــــــــــمْ ترْدُدْهُ وتَمْطُلْهُ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ – قَالَ – “مَـطَلُ الغَنِيَّ ظُلْـــــــــــــــمٌ”. وَإنْ كُنْتَ مُعْسِرًا أَرْضَيتَــــــــــــــهُ بحُسْنِ القَوْلِ وَطَلَبتَ إلَيهِ طَلَباً جَـــمِيلاً وَرَدَدتَهُ عَنْ نفْسِكَ ردًّا لَطِيفًا، وَلَمْ تَجْمَعَ عَلَيْهِ ذهَابَ مَالِهِ وَسُوءَ مُعَامَلَتِهِ فَإنَّ ذلِكَ لؤمٌ. ولا قُوَّةَ إلاّ باللهِ.

37. حق الخليط

وَأمّــــــا حَقُّ الخَلِيطِ12 فَأَنْ لا تَغُرَّهُ ولا تَغُشَّـهُ ولا تُكَذِبَهُ ولا تُغَفِّلَهُ ولا تَخــــــــدَعَهُ ولا تَعمَلْ فِي انتِقَـــاضِهِ عَمَلَ الْعَدُوِّ الَّذِي لا يُبقِي عَلَى صَـــــــاحِبهِ وَإنِ اطْمَأَنَّ إلَيكَ اسْتَقْصَيتَ لَهُ عَلَى نفْسِـكَ13 وَعَلِمْتَ أَنَّ غَبْنَ الْمُسْتَرْسِلِ رِِبًا. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

38. حق الخصم

حق الخصم المدعي عليك

وَأمّــــــــا حَقُّ الخَصْمِ المُدَّعِي عَلَيْكَ، فَإنْ كَانَ مَا يَدَّعِي عَلَيكَ حَقّــــــــاً لَمْ تنفَسِخ فِي حُجَّتِهِ وَلَمْ تَعمَلْ فِي إبطَـــــالِ دَعْوَتِهِ وَكُنْتَ خَصْــــــــــمَ نفْسِكَ لَهُ والحَـــاكِمَ عَلَيْهَا والشَّـــاهِدَ لَهُ بحَقِّهِ دُونَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَـــــــــإنَّ ذلِكَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَإنْ كَانَ مَـــا يَدَّعِيهِ بَـــــــــاطِلاً رَفَقْتَ بهِ وَرَوَّعْتَهُ 14 ونـــــاشَدتهُ بدِينِه15 وَكَسَرْتَ حِدَّتهُ عَنكَ بذِكْرِ اللهِ وَأَلْقَيْتَ حَشْوَ الْكَلامِ وَلَغَطَـــــــهُ16 الَّذِي لا يَرُدُّ عَنْكَ عَـــــــــــاديَةَ17 عَدُوِّكَ بَلْ تبُوءُ بإثمِهِ وَبهِ يَشْحَذُ عَلَيْكَ سَيفَ عَدَاوَتِهِ18 لأَنَّ لَفْظَةَ السُّوءِ تَبعَثُ الشَّرَّ. وَالخَيْرُ مُقْمِعَةٌ لِلشَّرِّ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

حق الخصم المدعى عليه

وَأمّــــــا حَقُّ الخَصْمِ الْمُدَّعَى عَلَيهِ فَإنْ كَانَ مَــــــــا تدَّعِيهِ حَقًّا أَجْمَلْتَ فِي مُقَـــــاوَلَتِهِ19بمَخرَجِ الدَّعْوَى، فَإنّ لِلدَّعْوَى غِلْظَةً فِي سَــــــــــــــمْعِ الْمُدَّعَى عَلَيهِ. وَقَصَــــــــــــــــدْتَ قَصْدَ حُجَّتِكَ بالرِّفْقِ وَأَمْهَلِ الْمُهْلَةِ وَأبْينِ الْبَيَـــــــانِ وَألطَفِ اللُّطْفِ ولَمْ تَتشَـــــــاغَلْ عَنْ حُجَّتِكَ بمُنازَعَتِهِ بالقِيلِ وَالقَــــــــــــــــالِ فَتَذهَبْ عَنْكَ حُجَّتُكَ ولا يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ دَرْكٌ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

39. حق المستشير

وَأمّــــــــــــا حَقُّ المُسْتَشِيرِ، فَإنْ حَضَرَكَ لَهُ وَجْهُ رَأْى جَهَدْتَ لَهُ فِي النَّصِيحَـــــــــةِ، وَأَشَرْتَ عَلَيهِ بمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مَكَانهُ عَمِلْتَ بهِ، وَذَلِكَ لِيَكُنْ مِنْكَ فِي رَحْمَة وَلِين، فَإنَّ اللِّينَ يُؤْنِسُ الْوَحْشَةَ وَإنَّ الْغِلْظَ يُوحِشُ مَوضِعَ الأنْسِ. وَإنْ لَمْ يَحْضُرْكَ لَهُ رَأيٌ وَعَرَفْتَ لَهُ مَنْ تثِقُ برَأيِهِ وَترْضَى بهِ لِنَفْسِكَ دَلَلْتَهُ عَلَيْهِ وَأَرْشَدتَهُ إلَيْهِ، فَكُنْتَ لَمْ تَـــــــــــــألُهُ خَيرًا20 وَلَمْ تَدَّخِرْهُ نُصْحاً. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

40. حق المشير

وَأمّـــــــــا حَقُّ المُشِيرِ عَلَيْكَ فَلا تتَّهِمْهُ فِيمَا لا يُوافِقُكَ عَلَيهِ مِنْ رَأْيِهِ إذا أَشَــــــارَ عَلَيْكَ فَإنَّمَا هِيَ الآرَاءُ وَتصَرُّفُ النَّــــاسِ فِيهَــــــا وَاختِلافُهُمْ. فَكُنْ عَلَيهِ فِي رَأيِهِ بالخِيَارِ إذا اتَّهمْتَ رَأْيَهُ، فَأَمّا تُهْمتُهُ فَلا تَجُوزُ لَكَ إذَا كَانَ عِنْدكَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْمُشَاوَرَةَ21. وَلا تَدَعْ شُكْرَهُ عَلَى مَـا بَدَا لَكَ مِن إشْــــــــخاصِ رَأْيِهِ وَحُسْنِ وَجْهِ مَشُورَتِهِ، فَإذا وَافَقَكَ حَمِدتَ اللَّهَ وَقَبلْتَ ذلِكَ مِن أَخِيكَ بالشُّــــــــــــــــــــــــكْرِ والإرْصَادِ بالْمُكَافَأَةِ فِي مِثلِهَـــــا إنْ فَزِعَ إلَيْكَ.22 وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

41. حق المستنصح

وَأمّــا حَقُّ المُسْتَنصِحِ فَإنَّ حَقَّهُ أَنْ تُؤَدِّيَ إلَيهِ النَّصِيحَةَ عَلَى الحَقِّ الَّذِي تَرَى لَهُ أنّهُ يحْمِلُ وَتخرُجَ المَخرَجَ الَّذِي يَلينُ عَلَى مَسَـــــــــــــامِعِهِ، وتُكَلِّمَهُ مِنَ الْكَلامِ بمَا يُطِيقُهُ عَقلُهُ، فَإنَّ لِكُلِّ عَقْل طَبقَــــــــــــــــــةً مِنَ الْكَلامِ يَعْرِفُــــــــهُ ويَجْتَنِبُهُ، وَلْيَكُنْ مَذهَبَكَ الرَّحْمَـــةَ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

42. حق الناصح

وَأمّــــــا حَقُّ النَّاصِحِ فَأَنْ تُلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ ثُمَّ تشرأب لَهُ قَلبَكَ20وَتفْتَحَ لَهُ سَـــــــــمْعَكَ حتَّى تَفْهَمَ عَنهُ نصِيحَتَهُ، ثُمَّ تنْظُرَ فِيهَـــــا، فَإنْ كَانَ وُفّقَِ فِيهَا لِلصَّوَاب حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَقَبلْتَ مِنْـــــــــــــــــــهُ وَعَرَفْتَ لَهُ نَصِيحَتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ وُفّقَِ لَهَا فِيهَا رَحِمْتَهُ وَلَمْ تتَّهِمَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يألُكَ نُصْحًا إلا أنَّهُ أَخطَـــــأَ إلا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مُسْتَحِقًّا لِلتُّهْمَةِ فلا تَعْبَـــــأْ23 بشيء مِنْ أَمْرِهِ عَلَى كُلِّ حَال. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

43. حق الكبير

وَأمّا حَقُّ الكبيرِ فَإنَّ حَقَّهُ تَوقِيرُ سِنِّهِ وَإجْلالِ إسْلامِهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضلِ فِي الإسْلامِ بتَقْدِيمِهِ فِيهِ وتَرْكِ مُقَابَلَتِهِ عِنْدَ الْخِصَــــــــــامِ ولا تَسْبقْهُ إلَى طَرِيق، ولا تَؤُمَّهُ فِي طـرِيق24 ولا تَسْـــــــتَجْهِلْهُ. وَإنْ جَهِلَ عَلَيْكَ تحَمَّلْتَ وَأَكْرَمتَهُ بحَقِّ إسْلامِهِ مَعَ سِنِّهِ فَإنّمَـــــــا حَقُّ السِّنِّ بقَدْرِ الإسْلامِ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

44. حق الصغير

وَأمّـــــــــا حَقُّ الصَّغِيرِ فَرَحْمتُهُ وتَثقِيفُهُ25 وتَعْلِيمُهُ وَالعَفْوُ عَنْهُ وَالسِّترُ عَلَـــــــــــــــيهِ وَالرِّفْقُ بهِ وَالمَعُونَةُ لــــــــــــــــَهُ وَالسِّترُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثتِهِ فَإنّهُ سَبَبٌ لِلتَّوبَةِ وَالْمُدَارَاةُ لَـــــــــــهُ وتَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أَدنى لِرُشْدِهِ.

45. حق السائل

وَأمّا حَقُّ السَّائِلِ فَإعْطَاؤُهُ إذا تَيَقَّنتَ صِدْقَهُ وَقَدَرْتَ عَلَى سَدِّ حَاجَتِهِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ فِيمَـا نزَلَ بهِ، وَالْمُعَاوَنةُ لَهُ عَلَى طَلِبَتِهِ، وَإن شَكَكْتَ فِي صِدْقِهِ وَسَبَقْتَ إلَيهِ التُّهْمَةُ لَهُ وَلَمْ تَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ أَرَادَ أَنْ يَصُدَّكَ عَنِ حَظِّكَ ويَحُولَ بَيْنَكَ وبَينَ التَّقَرُّب إلَى رَبكَ فَتَرَكْتَـــــــــــــهُ بسِترِهِ وَرَدَدتَهُ رَدًّا جَـــــــمِيلاً. وَإنْ غَلَبتَ نفْسَــــــــــــــــكَ فِي أَمْرِهِ وَأَعْطَيتَهُ عَلَى مَـــــا عَرَضَ فِي نفْسِكَ مِنْهُ، فإنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ.

46. حق المسؤول

وَأمّــــــــا حَقُّ المَسئولِ فَحَقُّهُ إنْ أَعْطَى قُبلَ مِنْهُ مَـــــــــــــا أَعْطَى بالشُّكْرِ لَهُ وَالمَعْرِفَةِ لِفَضْلِهِ وَطَلَبَ وَجْهِ الْعُذْرِ فِي مَنعِهِ، وَأَحْسَنَ بهِ الظَّنَّ. وَاعْلَمْ أنَّهُ إنْ مَنِعَ (فَ)مَالَهُ مَنَعَ وَأَنْ لَيْسَ التَّثرِيبُ فِي مَــــــــــالِه،26 وَإنْ كَانَ ظَالِمًا فَإنَّ الإنسَانَ لَظلُومٌ كَفَّارٌ.

47. حق من سرك الله به وعلى يديه

وَأمّا حَقُّ مَنْ سَرَّكَ اللهُ بهِ وَعلَى يَدَيهِ، فَـــــــــــــإنْ كَانَ تَعَمَّدَهَا لَكَ حَمِدْتَ اللهَ أَوّلاً ثُــــــــمَّ شَكَرْتَهُ عَلَى ذلِكَ بقَدْرِهِ فِي مَوْضِـــــــــــعِ الجَزَاءِ وَكَافَأتَهُ عَلَى فَضْــــــــــــــــلِ الابْتِدَاءِ وَأَرْصَــــــــــــــدْتَ لَهُ الْمُكَافَأَةَ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَهَا حَمِدْتَ اللهَ وَشَكَرتَهُ وعَلِمْتَ أنَّهُ مِنْهُ، تَوَحَّدَكَ بهَا وأَحْبَبتَ هذا إذ كَانَ سَبَباً مِنْ أَسْبَاب نِعَـــــــمِ اللهِ عَلَيْكَ وَترْجُو لَهُ بَعْدَ ذلِكَ خَيرًا، فإنَّ أَسْبَابَ النِّعَمِ بَرَكَةٌ حَيثُ مَا كَانتْ وَإنْ كَانَ لَمْ يَتَعَمَّدَ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

48. حق من ساءك القضاء على يديه بقول أو فعل

وَأمّــــــا حَقُّ مَنْ سَاءَكَ القَضَاءُ عَلَى يَدَيهِ بقَوْل أَوْ فِعْل فَإنْ كَانَ تَعَمَّدَهَا كَانَ العَفْوُ أَوْلَى بكَ لِمَا فِيهِ لَهُ مِن القَمْعِ وَحُسْنَ الأَدَب مَعَ كَثِيرِ أَمْثالِهِ مِنَ الخَلْقِ، فإنَّ اللهَ يَقُولُ ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْــــــــــــدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبيلٍ. إنمَّا السّبيلُ عَلى الَّذين يظْلِمونَ النَّاسَ ويَبغونَ في الأرْضِ بغَيرِ الحَقِّ، أُولئِكَ لهُم عَذابٌ أليِمٌ. وَلمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذلِكَ لََمِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ وَقَــــــــــــــــــالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بمِثلِ مَــــــــــــــا عُوقِبتُمْ به وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابرِين﴾ هَـــــــــذا فِي الْعَمْدِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا لَمْ تَظْلِمْهُ بتَعَمُّدِ الانتِصَارِ مِنْهُ فَتَكُونَ قَدْ كَافَأتَهُ فِي تَعَمُّــد عَلَى خَطَــــــــــــــــأ. وَرَفِقْتَ بهِ وَرَدَدتَهُ بأَلْطَفِ مَا تقْدِرُ عَلَيْهِ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

49. حق أهل ملتك عامة

وَأمّــــــــــا حَقُّ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَامَّةً فَإضْـــــــــــمَارُ السَّلامَةِ وَنشْرِ جَنَــــــــــــــــاحِ الرَّحْمَةِ وَالرِّفْقِ بمُسِيئِهــــــــــــــــــــِمْ وَتأَلُّفُهُمْ وَاسْتِصْلاحُهُمْ وَشُكْرُ مُحْسِنِهِمْ إلَى نفْسِهِ وَإلَيْكَ، فَإنَّ إحْسَانهُ إلَى نفْسِهِ إحْسَانهُ إلَيكَ إذا كَفَّ عَنْكَ أَذاهُ وَكَفَاكَ مَئونتَهُ وَحَبَسَ عَنكَ نفْسَهُ فَعَمِّهِمْ جَمِيعًا بدَعْوَتِكَ وَانصُرْهُمْ جَمِيعـاً بنُصْرَتِكَ وَأَنزَلتَهُمْ جَمِيعـــــــــــــــاً مِنْكَ مَنَـــــــــــازِلَهُمْ، كَبيرَهُمْ بمَنْزِلَةِ الْوَالِـــــــــــدِ وَصَغِيرَهُمْ بمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ وَأَوْسَـــــــــــــطَهُمْ بمَنْزِلَةِ الأَخِ. فَمَـنْ أَتـــــــــــــــاكَ تَعَاهَدْتَه بلُطْف وَرَحْمَة. وَصِلْ أَخَاكَ بمَا يَجِبُ لِلأَخِ عَلَى أَخِيهِ.

50. حق أهل الذمة

وَأمّــــــــــــــــــــــا حَقُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَالحُكْمُ فِيهِـــــمْ أَنْ تَقبَلَ مِنْهُمْ مَا قَبِلَ اللهُ، وَتَفِي بمَا جَعَلَ اللهُ لَهُمْ مِنْ ذِمَّتِهِ وَعَهْدِهِ وَتكِلُهُمْ إلَيهِ فِيمَا طَلبُوا مِنْ أَنْفُسِهِــــــــــــــمْ وَأُجْبرُِوا عَلَيْهِ وَتحْكُمَ فِيهِمْ بمَـــــــــــــــــا حَكَمَ اللهُ بهِ عَلَى نفْسِكَ فِيمَا جَرَى بَيْنَكَ (وَبيْنَهمْ) مِنْ مُعَامَلَة وَلْيَكُنْ بَينَكَ وَبيْنَ ظُلْمِهِمْ مِنْ رِعَايَةِ ذِمَّةِ اللَّهِ وَالْوَفَاءِ بعَهْــــــــــــــدِهِ وَعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ – حَائِلٌ فَإنَّهُ بَلَغَنَا أنَّهُ قَالَ “مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِـــدًا كُنْتُ خَصْمَهُ” فَاتَّقِ اللَّهَ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

فَهذِهِ خَمْسُونَ حَقًّا مُحِيطًا بكَ لا تَخرُجْ مِنْهَــــــــا فِي حَال مِن الأَحْـــــــــــــــوَالِ، يَجِبُ عَلَيْكَ رِعَايَتُهَا وَالْعَمَلُ فِي تَأْدِيَتِهَا وَالاسْتِعَانَةُ باللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ وَالْحَمْدُ للهِ رَب العَالَمِينَ.
———————————————————————–
المصدر:شبكة المعارف الإسلامية