مشاريع الإحتلال تهدد تراث القدس و ملامحه التاريخية

کلمات مفتاحیة:

نددت الكاتبة زيفا ستيرنهيل بمشاريع البناء العقاري المخطط إطلاقها في مدينة القدس، والتي تهدد ملامحها التاريخية، وأعربت عن القلق إزاء التطورات التي تشهدها المدينة المقدسة.

وتشير الكاتبة -وهي محاضرة فخرية في أكاديمية بتسلئيل للفنون والتصميم- في مقال نشرته لها صحيفة لوموند الفرنسية، إلى أنه في الوقت الذي يتابع فيه الرأي العام العالمي عن كثب تأثير نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، أدرك قليلون فقط أن المدينة، التي تتسم برمزية بالغة الأهمية في جميع الديانات، تواجه خطر خسارة خصائصها الفريدة من نوعها.

وتقول إنه إذا نفذت قوات الإحتلال المشاريع المعمارية المخطط لها في المدينة، فإن الملامح التاريخية المميزة للقدس ستتلاشى إلى الأبد، وذلك بعد أن تمكنت من الصمود أمام خطر الاندثار لحد الآن.

وتضيف أن الخسارة ستكون كبيرة، وأن بناء بضع عشرات من المباني المكونة من 30 طابقا في القدس الغربية سيكون محل تساؤل، حيث قد تتسبب في خلل كارثي يضر بالأجزاء المتواضعة المتبقية من البلدة القديمة ومحيطها.

تأثير كارثي
وتوضح الكاتبة أن للمشاريع الجارية أيضا بعدا سياسيا، حيث سيكون لها تأثير كارثي على كامل المدينة، وأن هذه التطورات من شأنها أن تنعكس على المشهد القديم للقدس، وهو المشهد الذي جذب الكثير من السياح من جميع أنحاء العالم، بشكل لا يمكن إصلاحه.

وتشير الكاتبة إلى أن المهندسين المعماريين البريطانيين تعاملوا بحذر مع مدينة القدس خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وأنهم تركوا إرثا زاخرا تواصل وجوده إلى غاية بداية القرن الحالي، وتقول إنه اعترافا بأهمية البلدة القديمة فقد تم فرض قواعد صارمة على البناء داخل الأسوار وحولها أيضا.

وتوضح أنه بهذه الطريقة فقد تمكنت المدينة القديمة من الحفاظ على طابع عمارة العصور الوسطى الذي يميزها، وعلى إطلالتها الخلابة على التلال العارية والصحراء المحيطة بها.

وتقول الكاتبة إن خصائص ومميزات القدس تشهد تغييرات مأساوية، وتشير إلى أنه منذ هيمنة اليمين القومي الإسرائيلي على بلدية القدس خلال سنة 2008، فقد تراجع حجم الالتزام بمبادئ الحفاظ على المناطق الحضرية بشكل كبير.

بلدية القدس
وتوضح أن المطالبات بتهويد المدينة بأي ثمن لعبت دورا في إحداث تغييرات تهدد تاريخ القدس، وتضيف أنه تم وضع مسؤولية العناية وحماية البلدة القديمة بين أيدي بيروقراطيين ومهنيين آخرين قدموا لخدمة مصالح سياسية معينة، وأن هذا الوضع المأساوي تفاقم بقدوم موشيه ليون إلى رئاسة بلدية الاحتلال في القدس.

وتقول الكاتبة إن آخر القرارات التي اتخذتها سلطات الإحتلال تمثلت في منح منظمة إلعاد الاستيطانية، التي تنتمي لليسار المتشدد، تصريحا لبناء مركز زوار ضخم على بعد 20 مترا فقط من أسوار البلدة القديمة في القدس، الأمر الذي يتيح فرصة لتدمير الحاجز الأخير الذي يحمي البلدة التاريخية.

ثم إن المشروع الأخير لرئيس بلدية القدس السابق سيدخل حيز التنفيذ في نهاية المطاف، وذلك على الرغم من أنه اعتبر في الماضي غريبا للغاية.

وتوضح أن هذا المشروع يتمثل في بناء قطار جبلي مائل ضخم يربط بين القدس الغربية والقدس القديمة وصولا إلى حدود أسوار البلدة التاريخية في حد ذاتها.

وبينت الكاتبة أن الحجة الرسمية لتبرير هذا المشروع تتمثل في الحاجة الملحة للحد من الازدحام المروري المحيط بالبلدات التاريخية. ولكن هذا الأمر ستكون له تبعات سياسية، حيث سيتطلب الأمر التخلي عن منع الزوار من التأخر في المدينة العربية، وأحيائها التاريخية ومراكزها التجارية. وفي الجانب اليهودي من البلدة، سيتاح للزوار النزول مباشرة في مركز الزوار الذي يقع على مشارف الحي اليهودي في بلدة القدس القديمة.

قطار جبلي
وتضيف أنه كما هي الحال بالنسبة لغالبية البلدات التاريخية التي تعجّ بالسياح، فإن الحركة داخل الأزقة الصغيرة للبلدة القديمة للقدس تعتبر صعبة للغاية.

وتستدرك بأن القطار الجبلي المائل الذي يسعى الكيان الصهيوني إلى بنائه لا يمثل حلا عمليا حقيقيا، موضحة أنه بينما يزعم المروجون لهذا المشروع أن 73 مقصورة التي تكوّن القطار ستكون كفيلة بنقل ثلاثة آلاف راكب في الساعة، فإن هذا الرقم يعتبر مبالغا فيه، إذ إن سعة المقصورة الواحدة لا تتجاوز عشرة ركاب.

وهذا الأمر لا يمثل عمق المشكلة، بل إن المعضلة الحقيقية تتمثل في الجانب الجمالي المرعب الذي يتجسد من خلال منظر عشرات المقصورات في حركة دائمة في مواجهة أسوار البلدة القديمة، مثبتة بكابلات مرتبطة بخمسة عشر برجا عملاقا، يبلغ طولها 26 مترا، مما يعادل بناية مكونة من ثمانية طوابق.

كما أن إحدى المحطات الأربع المقترحة ستكون متاخمة لكنيسة رُقاد السيدة العذراء التي تقع على جبل النبي داود (عليه السلام)، الأمر الذي سيمثل انتهاكا صارخا لأحد أشهر رموز البلدة القديمة في القدس.

وتختتم بأنه إذا دخل هذا المشروع المروع حيز التنفيذ، فلن يتبقى في غضون سنوات عدة سوى عدد من اللوحات والصور الفوتوغرافية، التي تذكر المرء بالسمة المميزة للقدس على اعتبارها رمزا روحيا عالميا.

————————

المصدر : الجزيرة+لوموند